والعذرُ عنه أنَّه إنَّما زعمنا أنَّه مضاف لأنَّ العرب تحذف منه «يا» ولو كان مقبلًا عليه لم يجز ذلك لأنّ «يا» لا تحذف إلاَّ في العلم أو في المضاف كقول الشاعر:
خليليَّ مُرّا بي على أمّ جُندَبِ
وهم يحذفون هذا فيقولون: قُل رَبُّ أحكُم، وغلامٌ أقبِلْ، فدلَّ على أنَّه ليس بمُقبَلٍ عليه، وإنّما هو مضاف.
واعتذر أبو علي الفارسي لهذا بأنَّ الاسم الذي يستعمل في الحنان الرحمة إنّما يكون مضافًا نحو: يا أخي ويا بُني ويا أبي ويا عبادي، وهذا مستمل في الحنان والرحمة، فهو على نية الإِضافة.
وهذه اللغات المتقدمة على مراتب في الفصاحة. فأفصحها: يا غلام، لأنَّ المنادى كثير الاستعمال فهو في موضع الحذف، وهذه الياء أيضًا معاقبة للتنوين فجاز حذفها مع أنَّ ثَمَّ ما يدلّ عليها.
ويليه في الفصاحة: يا غلامِيْ لأنَّه متوسط، ألا ترى أنّه قد خَفّف ما يستثقل لدوره ولم يحذف شيئًا.
ثم يليه: يا غُلامًا ويا غُلامِيَ. وأقلُّها: يا غلامُ، لأنَّه ليس على الياء دليل. فهذا حكم إضافة المنادى إلى المتكلم.
وقد عوضوا تاء التأنيث من ياء الإِضافة في هذا الباب في الأب والأم فقالوا: يا أبتِ ويا أُمّتِ. ولا يجوز الجمع بين ياء الإِضافة وهذه التاء كما لا يجوز الجمع بين التاء من زنادقة والياء التي تكون في زناديق.
ويجوز أن تقول: يا أبَتا، ويا أُمّتا، فتجمع بين التاء والألف التي هي عوض من ياء الإِضافة.
فإن قيل: فكيف جاز الجمع بينهما وهذه الألف عوض من الياء وأنتَ لا تجمع بين الياء والتاء؟ فالجواب: إنّه لمّا لم يكن يُلفظ التاء عوض منه استجازوا ذلك. ومن أجاز: يا غلامَ، بحذف الألف فإنَّه يُجيز أن تقول: يا أبتَ ويا أُمَّت، ويجوز في يا أُمّت وحده أن تقول: يا أُمَّ، وذلك أنَّهم جعلوه بمنزلة طلحة كما تقول في ترخيم طلحة: يا طلحَ، وكذلك تقول: يا أُمَّ، ولم يفعلوا ذلك في بابه.
وتلحق الهاء الألف في هذا الباب في الوقف، فإن وصلت حذفت الهاء، واختُلف في الوقف على الهاء من يا أبتِ ويا أُمَّتِ، فذهب الفراء إلى أَنَّ الوقف عليها بالتاء لأنَّها قد صدرت عوضًا فعوملت معاملة ما عُوّضت منه، فكما لا يجوز قلب الهاء إلى التاء فكذلك هذه.
ومذهب غيره من النحويين أنَّ الوقف عليها بالهاء لأنَّها علامة تأنيث على كل حال وإن كانت عوضًا. وهو الصحيح، ألا ترى أنّه لا خلاف في الوقف على التاء من زنادقة بالهاء مع أنَّها عوض من التاء، فكذلك هذه التاء.