فهرس الكتاب

الصفحة 525 من 831

ومما خالفونا فيه أيضًا «إنّما» وذلك: إنّما هي ضربةٌ من الأسدِ فتُحطِمَّه، والنصب عندنا لا يجوز، لأنَّ الكلام موجب، ألا ترى أنَّ لا قد دخلت.

واعلم أنَّ الفاء إذا دخلت على الفعل وكان فيه ضمير يعود على ما قبلها فلا يخلو أن يرجع الضمير إلى ما نفي الفعل في حقه أو إلى ما أُوجب في حقه. فإِن رجع إلى ما نفي عنه الفعل نصبته وإلاّ رفعت، مثاله: ما جاءَني أحدٌ إلاّ زيدٌ فأكرمَهُ، إن جعلت الهاء لأحد نصبته، كأنه قال: ما جاءني أحدٌ فأكرمَهُ.

وإن جعلتها لزيد لم تنصب، لأن المعنى: جاء زيدٌ فأكرمُهُ، وذلك لا يجوز.

واعلم أنَّ ما قبل الفاء إذا كان له معمول وأَخّرته إلى ما بعد الفاء نحو: ما ضربتُ فأهنته زيدًا، ففيه خلاف.

فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من منع. فالمجيز يقول: إنك لم تفصل إلا بمعطوف على الفعل بخلاف: إنْ تضربْ فهو مكرمٌ زيدًا، هذا لا يجوز باتفاق، لأنَّكَ فصلت بما ليس بمعمول للفعل الأول ولا معطوف عليه، لأنَّ الجواب ليس محمولًا على الشرط، ولو كان معطوفًا عليه لشركه في المعنى.

والمانع يقول: إن الفعل الذي قبل الفاء في تأويل المصدر ولهذا صح النصب، والمصدر لا يفصل بينه وبين معموله بشيء. والصحيح أن لا تجيز هذا بإِزالة شيء عن موضعه، لأنَّ لمنع النصب لحظة ولإِجازته لحظة، فلو كان القياس لا يقبل مع النصب لأخّرناه، لكن لا نقول به إلاّ إن سمع، وهذا حسن جدًا.

واعلم أَنَّ الدعاء إذا كان على صيغة الأمر والنهي فقد قلنا أن حكمه كحكم الأمر، ولكن ذلك ليس على الإِطلاق بل نزيد فيه قيدًا، وهو أن نقول: إلاّ أن يكون الأول دعاء عليه والثاني دعاء له أو بالعكس، فإِنَّ النصب هناك لا يجوز، وذلك: لِيَغْفِرِ اللَّهُ لزيدٍ ويَقطَعْ يدَهُ، لا يجوز، لأنَّ اللام الأولى على معنى الدعاء له والثانية تجزم على معنى الدعاء عليه، فلم يجز النصب ولا الجزم فإِنّما يكون مقتطعًا ونعلم أنّه دعاء بقرينة وهو أَنّه لا يمكن أن يكون خبرًا.

وخالف أهل الكوفة في «غير» فأجازوا النصب بعدها، لأنَّ معناها النفي وذلك: أنا غيرُ آتٍ فأكرمَكَ. وهذا لا يجوز لأنَّ غيرًا مع المضاف إليه اسم واحد فلا يسوغ أن تقدّر بعدها وما أضيفت إليه مصدرًا، لأنَّها لا يصح لها معنى إذ ذاك بخلاف لام الأمر وما، لأنّك تقدر بعدها المصدر فتقول: ليكن كذلك وما يكون كذا، وغير لا يتصوَّر فيها ذلك، لأنّها مع ما بعدها اسم فلا يفصل بينهما بشيءٍ آخر لأنَّ ذلك إبطالًا لوضعها.

ومما ينتصب بعد الفاء الفعل إذا كان بعد أفعال الظن وذلك: حسِبتُهُ شتمني فأثِبَ عليه، لأنَّ الفعل هناك لم يثبت فالنصب جائز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت