وفي هذا البيت روايتان: رفع هجر ونصبها، فالذي رواه بنصبها قلب في الآخر وجعل هَجَرَ مفعولًا بعد بلغت، وفي «قد بلغت» ، ضمير السوءات، وعاد الضمير على ما بعده، لأنَّه في باب الإِعمال يعود على ما قبله، وهي رواية أبي القاسم والذي رواه برفعها قلب في الأول والثاني، وهذه الرواية أَثبت وهي رواية المبرِّد.
ومن مذهبه أَنَّ قلب الإِعراب لا يجوز إلاَّ في الضرورة على التأويل، فجعل بلغت محمولًا على المعنى فكأنه قال: حَمَلتْ، لأنَّه إذا بلغت السوءاتُ هَجَر فقد حملتها عَجَرُ، وكذلك قوله:
غَداةَ أُحِلّت لابنِ أَصرمَ طعنةً
حصينٍ عبيطاتُ السدائفِ والخَمرُ
الشاهد فيه رفع العبيطات ونصب الطعنة، وفصيح الإِعراب فيه أنْ يرفع الطعنة وينصب العبيطات، لأنَّ الطعنة هي المُحِلَّة والعبيطات والخمر المُحلَّتان.
وأما قول أبي القاسم: ومنهم من يرويه برفع الطعنة ونصب العبيطات، فليست برواية وإِنّما هو إصلاح من الكسائي، وذلك أَنَّ يونس بن حبيب سأل الكسائي عن إنشاد هذا البيت فأنشده برفع الطعنة ونصب العبيطات فقال له يونس: على مَ ترفع الخمر؟ فقال: على الاستئناف والقطع. فقال له: ما أحسن ما قلت لولا أن الفرزدق أنشدنيه مقلوبًا.
وبيت الفرزدق وهو قوله:
وعضُّ زمانٍ يا بن مروانَ لم يَدَعْ
من المالِ إِلاَّ مُسحتا أو مُجلَّفُ
فإِنَّه أنشده أبو القاسم دليلًا على رفع ما بعد حرف العطف على الاستئناف والقطع نظيرًا لما تقدم.
وفيه ثلاث روايات: نصب المُسحَت وفتح الدال من يدع، وكسرها ورفع المسحت، وضم الدَّال من يدع ورده إلى ما لم يسم فاعله. وكإِنَّ أصله يودع، ثم حذفت الواو.
وأمَّا على رفع المسحت وكسر الدال من يدع فيكون المسحت فاعلًا بيدع، ويدع مضارع ودِعَ بمعنى بقي، يقال: ودِعَ الرجلُ في بيته، إذا بقي فيه، ويكون أو مجلّفُ معطوفًا على المُسحَت. وفتح الدال من يدع فيكون المسحت مفعولًا بيدع.