لأنه لا يخلو أَن يجعل «من» زائدة وكبرى مضافة إلى فواقعها أو لا، فإن جعلها زائدة فقد أخطأ لأنّها لا تزاد في الواجب. وإن جعل «مِنْ» غير زائدة فيكون قد استعمل فُعلَى غير معرَّفة بالألف واللام ولا مضافة.
فإن سمّيتَ بأفعل الذي مؤنثه بالتاء أو أَفعل الذي هو في الأصل اسم فإنّه يمنع الصرف لوزن الفعل والتعريف، وإن نكرَّتهما انصرفا قولًا واحدًا.
وإن سمّيت بأَفعل الذي مؤنثه فُعلى صُرِف على كلّ حال لأجل الألف واللام أَو الإِضافة.
فإن كان أَفعل الذي مؤنثه فعلى. فإنه يمتنع الصرف لوزن الفعل والصفة، فإن سميّتَ به فإنّه يمتنع الصرف لوزن الفعل والتعريف، فإن نكرته ففيه خلاف.
فسيبويه لا يجيز الصرف وأَبو الحسن الأخفش يصرف، وأَبو علي الفارسي يجيز فيه الوجهين فقال: إن لحظتَ فيه أنّه كان صفة فتمنعه الصرف، وإن لحظت أنه انتقل عن الصفة إلى الاسمية فتصرفه، والدليل على صحة هذا أنَّ العرب إذا سمَّت بالصفة فتارة تحكم لها بحكم الصفة وتارة تحكم لها بحكم الأسماء. ألا ترى أنّها لما سمت بأحوص حكمت له بحكم الصفة، وتارة تجمعه جمع الصفات، قال:
أتاني وعيدُ الحُوصِ من آل جَعفَرٍ
فيا عبدَ عمروٍ لو نِهيتَ الأحاوِصا
فأحوص صفة لكنه سُمِّي فجمعه جمع الأسماء فقال: أحاوص.
وهذا الذي قال ليس بصحيح، لأنه يُشبِه أَصله قبل التسمية، لأنه نكرة كما كان وقت أَن كان صفة، وشبه العلّة علّةٌ في هذا الباب. وسيأتي بيان ذلك.
وأَمّا أبو الحسن فقال: ليس فيه إلاّ علّة واحدة فلا يمنع الصرف، وهذا الذي قاله باطل لما تقدَّم.
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه. وأيضًا فإنَّ أبا زيد حكى أنَّ العرب تقول: عندي عشرون أحمرَ، في رجال اسم كل واحد منهم أَحمر.
وأما جمعهم أحوص على حوص تارة وعلى أحاوص أخرى فمن قَبِيْل ما لُحظِ فيه معنى الوصف تارة نحو العبّاس، ولم يلحظ أخرى نحو عبّاس.