وتقدير قوله:
إذا شُقَّ بردٌ شُقَّ بالبُردِ مثلُه
دوالَيكَ حتى كلُّنا غيرُ لابِسِ
تدوالنا دواليك. ودل على تداولنا قوله:
إذا شُقَّ بردٌ شُقَّ بالبردِ مثلُهُ
وأَما سعدَيكَ فمعناه إجابةً بعد إجابة، فكأنَّه قال: إسعادًا بعد إسعاد، أي كلما أَمرتني أَطعتك وساعدتك على ذلك. وكذلك لبْيكَ معناه: لزومًا لطاعَتِكَ. وكأنه من ألبَّ بالمكانِ إذا أقام به ولزم. فهي منصوبة بأَفعال من معناها.
وهذه المصادر، أعني حنانيك وإخوته مثناة بلا خوف، إلاّ لبَّيكَ فإنَّ فيه خلافًا. فمذهب سيبويه أنه تثنية لَبَّ كما أَنَّ حنانيك تثنية حنان. ومذهب يونس أنه اسم مفرد كأَنه عنده قبل الإِضافة: لبّى. وقلبت ألفه ياء لإِضافتها إلى المضمر نحو لديكَ وعليكَ.
وهذا فاسد بدليلين: أَحدهما أَنَّ لبّيك قد ثبتت فيه الياء مع إضافتها إلى الظاهر في مثل قوله:
دعوتُ لما نابَني مِسوّرًا
فلبّى فلبّى يَدَيْ مِسَورِ
والآخر: أنه قد سمع لبَّ ولم يسمع لبّى اسمًا، قال الشاعر:
دعَوْنِي فيا لبِّي إذا هدَرَت لهُم
شَقاشِقُ أَقوامٍ فأَسكتَها هَدْرِي
فقال لبَيْ، لو كان أَصله لبَّى لقال: لبّايَ، على الفتح أو لبَّيَّ على القليل. فإن قيل: فكيف جاءت مثناة وليس المعنى على التثنية؟ فالجواب: إنَّ التثنية قد تجيء للتكثير ولا يراد بها تشفيع الواحد، كأنَّ المعنى يجيء عليها: تحنّنًا بعد تحنّن. وكذلك دواليك أي مداولة بعد مداولةٍ، وهذاذيك أي هذًّا بعد هذُ، وسعديك إجابةً بعد إجابةٍ، ولبيّك لزومًا لطاعتِكَ بعد لزوم. وكذلك الكاف المتّصلة بها ضمائر، وحذفت نون التثنية للإِضافة إلى الضمير.
وزعم الأعلم أنَّ الكاف حرف خطاب لا موضع له من الإِعراب مثلها في: أبصِركَ زيدًا، يريد: أَبصِر زيدًا وحذفت النون لشبهها بالإِضافة ولأنَّ الكاف اتصلت بالاسم كاتصالها بـ «ذلك» والنون تمنعها من ذلك فحذفت لذلك.