ومن الحذف أَيضًا الجزم بعد الحذف تشبيهًا بما لم يحذف منه شيء، تقول: لم يَغزْ، فسكن الزاي بعد حذف الواو لأنَّك تُشبّه الكلمة بعد الحذف بما لم يُحذف منه شيء، فكما أَنَّك تجزم يضرب إذا أَدخلت عليه الجازم كذلك تفعل بيغزُ، فمن ذلك قول الشاعر:
ومن يَتّقْ فإِنَّ اللَّهَ معهُ
ورزقُ اللَّهِ مؤتابٌ وغادِي
فحذف الياء من يتّقي ثم حذف الحركة من القاف بعد ذلك.
ونحو من ذلك قول الآخر:
قالت سُلَيْمَى اشتَرْ لنا دَقِيقا
وهاتِ خُبز البُرِّ أَو سَوِيقا
فحذف الياء من اشترِي ثم حذف حركة الراء لأنَّه شبَّهه بعد الحذف بما لم يُحذف منه شيء.
ومن الحذف أَيضًا حذف نون اضرِبَنْ. من ذلك:
اضرِبَ عنكَ الهمومَ طارِقَها
ضربَكَ بالسَوطِ قَونَس الفَرسِ
فحذفها لأنَّها زائدة.
وزعم الفراء أَنَّ الأصل: اضرِبْ، ثم حركت الباء لكثرة السواكن في البيت وأجرى حركتها مجرى اجتماعها في إيجاب التحريك فيكون البيت ــــ على مذهبه ــــ من الزيادة. وذلك فاسد، لأنَّ التحريك لكثرة السواكن لم يثبت وقد ثبت حذف التنوين الذي هو بمنزلة هذه النون لغير التقاء الساكنين في نحو قول الشاعر:
شُلَّت يدا وَحشيَّ من قاتِلِ
وقد تقدَّم.
ومثل ذلك عند الفراء قول الآخر:
في أَيِّ يومَيَّ من الموتِ أَفِرْ
أَيومَ لم يُقدَرَ أَم يَومَ قُدِرْ
فحرك الراء مِن يُقدَرْ لكثرة السواكن.
ووجهه عندنا أَنّه نقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة وأثبت الهمزة لكونه لم يعتدّ بالنقل، ثم قلب الهمزة أَلفًا لمجيئها ساكنة. بعد فتحة، على قياس تخفيفها، ثم قلب الألف همزة وحركها بالفتح لأجل التقاء الساكنين. وقد ثبت أَنَّ ذلك جائز، فيكون مِن باب قولك:
خاطِمَها زأَمّها أَن تَذهَبَا
يريد: زامَّها.
ومن الحذف حذف الفاء في جواب الشرط إذا كان جملة اسمية نحو قول الشاعر:
يا أَقرعُ بنُ حابِسِ يا أَقرعُ
إِنَّك إِنْ يُصْرعْ أخوكَ تُصْرَعْ