فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 727

يتبّرض [1] في المناهل. فلا يصل إليها إلّا وهو نضو [2] دنف. قد سامه ليبتاعه التّلف. فما هو إلّا أن يردّه امتداد الأجل إلى أرضه، ويرميه إلى مسقط رأسه، حتّى تراه مستعّدا لمثلها، مشيح [3] العزم في الإقدام ثانية عليها. لم يثن عزمه ما كابده من البرحاء [4] ، ولا كسر من حدّه ما شاهده من فرط العناء، فيبتدئها [5] جديدة، ويفرّ عنها جذعة [6] ، ويستقبلها مستأنفة، كأنّه لم يذق لها مرارة، ولا رأى من دلائل نصبها أمارة، وهل هذا إلّا صنع إلهي، وأمر ربّانيّ، ودلالة [7] لا تشوبها شبهة، ولا تمرّ بها مرية، تقوّي بصيرة المستبصر، وتسدّد فكرة المتفكّر هذا وكم من آية لها تبهر العقول، ودلالة تشاهد على وفق المنقول.

[حدود مكّة]

وهي شرّفها الله بلدة كبيرة متّصلة البنيان في بطن واد بين جبال محيطة بها، لا يراها القاصد إليها حتّى يشرف عليها. والجبال المحيطة بها ليست شامخة، وبنيانها آخذ في الاستطالة مع الوادي، ولا سور لها، إلّا أنّها حيزت من أعلى الوادي وأسفله بحائطين من صخور لا ملاط لها، قطعا [8]

الوادي عرضا حتّى وصلا بين الجبلين، وهما على فسحة من البلد. وأعلى

(1) هو يتبرّض الماء: كلما اجتمع منه شىء غرفه.

(2) النضو الدّنف: المريض الهزيل.

(3) أشاح الرّجل: جدّ في الأمر.

(4) البرحاء: الشدّة والمشقّة.

(5) في ت: فيبتدعها.

(6) في ط: جزعة، وهو تحريف والجذعة: الشابّة الفتيّة.

(7) في ت وط: ودلائل.

(8) في ت: قطعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت