فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 727

ولمّا انتهينا إلى المفازة الّتي في طريق تلمسان وجدنا طريقها منقطعا مخوفا، لا تسلكه الجموع الوافرة إلّا على حال حذر واستعداد. وتلك المفازة [1]

مع قربها من أضرّ بقاع الأرض على المسافر [2] لأنّ المجاورين لها من أوضع خلق الله، وأشدّهم أذاية، لا يسلم منهم صالح ولا طالح، ولا يمكن أن يجوز عليهم إلّا مستعد يتفادون من شرّه [3] ، وطلائعهم أبدا على مرقب لا يخلو منها البتّة أطلع الله عليهم من الآفات مايسحتهم [4] جميعا أصلا وفرعا، ويقطع دابرهم إفرادا وتثنية وجمعا، حتّى يكونوا آية للمعتبرين، وعبرة للنّاظرين، بعزّة الله وقدرته، وحوله وقوّته.

وكنت حينئذ لا تمكنني الإقامة حتّى أجد صحبة لغرض كان لي، فأزمعت أن أترك بعض الأصحاب بما كان معنا من النفقة منتظرا للصّحبة، وأنصرف أنا مخاطرا بما تدعو الحاجة إلى استصحابه. فبينما أنا أوصي من أردت إقامته متنغّصا بهذا الحال وأعرّفه بما يصنع، إذ وقف علينا جماعة رجال متسلّحين عارفين بالطّرق [5] ، عازمين على اعتساف [6] المجهل [7] ، فاستربت بهم، ثمّ قوي في نفسي أنّ ذلك لطف من الله تعالى وغوث أتاحه

(1) المفازة: البرّية القفر المهلكة، وسميت بذلك تفاؤلا من الفوز والنجاة.

(2) في ط: المسافرين.

(3) في ت: شرّهم.

(4) يسحتهم: يستأصلهم.

(5) «عارفين بالطّرق» سقط من ت.

(6) الاعتساف: ركوب الأمر بلا تدبير ولا رويّة.

(7) المجهل: الأرض لا يهتدى بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت