ولم أر بها من أهل الشّيمة الفضلى، والطّريقة المثلى [1] ، أمثل من الشّيخ، الفقيه، الخطيب، الصّالح، المسند، الرّاوية، أبي عبد الله محمّد بن صالح ابن أحمد الكنانيّ الشّاطبي [2] حفظه الله وهو شيخ على سنن أهل الدّين، سالك سبيل المهتدين، مقبل على ما يعنيه، مشتغل بعمر في طاعة الله يفنيه دأبه الاقتصار على تجويد الكتاب، والتّردّد ما بين بيته والمحراب. وقد لقي من الشّيوخ أعلاما، صيّره لقاؤهم والأخذ عنهم إماما وله مع علوّ الرّواية حظّ وافر من الدّراية، إلى خلق لو شاب ماء البحر صار فراتا، ودين ألزمه خشوعا وإخباتا [3] . وقد شاهدت له من غزارة العبرة، ما هو من أعظم العبرة.
ولمّا ودّعته قال لي: «إنّك توحشني بفراقك! وقد أقبل عليك قلبي لأوّل ما رأيتك» . وما كانت مدّة إقامتنا ببجاية إلّا يومين، قرأت عليه فيهما مع كثرة [15/ ب] الشّواغل وتسلّط الهموم الّتي تخلّ بعقل العاقل بعض كتاب «الموطّأ» رواية يحيى بن يحيى [4] ، وناولني سائره، وبعض كتابي «التّيسير» [5]
(1) استفاد من التعبير القرآني في سورة طه، 63: (ويذهبا بطريقتكم المثلى)
(2) توفي محمد بن صالح بن أحمد الكناني الشاطبي سنة 699هـ، انظر عنوان الدراية: 104، وفيات ابن قنفذ 335، درّة الحجال 2/ 1817.
(3) الإخبات: الخشوع والتواضع.
(4) هو يحيى بن كثير بن وسلاس، عالم الأندلس في عصره، رحل إلى المشرق، وسمع الموطّأ على الإمام مالك، وعاد إلى الأندلس ونشر فيها مذهب الإمام مالك، توفيّ بقرطبة سنة 234هـ، له ترجمة في جذوة المقتبس: 382، ترتيب المدارك 2/ 534، الديباج المذهب 350.
(5) هو كتاب التيسير في القراءات السبع، وهو مختصر مشتمل على مذاهب القراء السبعة في الأمصار وما اشتهر من الروايات، وهو مطبوع.