بعبادة الله وحده، كما يأمرهم بنبذ هذا النظام الطبقي الذي يتولد عنه شعور بالفروق بين أبناء المجتمع الواحد. أما هود فيأمر قومه بعد أمرهم بالعبادة بعدم التفاخر بهذه القوة المادية، وشعيب يأمر قومه أن لا يبخسوا الناس أشياءهم، وأن يوفوا المكيال والميزان، وهكذا لو استعرضنا سيرة الأنبياء جميعا لوجدنا هذه القضية بينة المعالم.
فإذا جئنا لما يخص هذه الأمة وجدنا القرآن في سوره مكيها ومدنيها على السواء لا يذكر الإيمان المجرد وحده، ففي السور المكية على سبيل المثال نقرأ هذه السورة: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ وَتَوََاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ} (3) [العصر: 31] ، بل لقد بينت هذه السور المكية أن صفات الذي يكذب بالدين أنه يدعّ اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، بل تهددت بالويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، والذين يراءون في أعمالهم ويمنعون خيرهم عن الناس.
ونجد في هذه السور المكية كذلك أن اقتحام العقبة الكأداء وهي التي تحول بين الإنسان وبين رضوان الله، اقتحام هذه العقبة لا يكون بالإيمان وحده، وإنما يكون بتحرير الرقيق من العبودية، وببذل المال للقريب المحتاج، وإطعام الجائع مع الإيمان، ولا بد مع الإيمان كذلك من أن يكون عنصر خير يفعل الخير ويوصي به كذلك: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمََا أَدْرََاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعََامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذََا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذََا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كََانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوََاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولََئِكَ أَصْحََابُ الْمَيْمَنَةِ} (18) [البلد: 1811] .
فإذا ما نظرنا في القرآن المدني وجدنا هذه الحقيقة تزداد وضوحا، فالمتقون الذين يستحقون الجنة، هم الذين ينفقون في السراء والضراء ويكظمون الغيظ فينسون أحقادهم ويعفون عمن أساء إليهم: {* وَسََارِعُوا إِلى ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] .