عيانا دونها ويشاهد التلف في طريقها فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة ولا كابد محنة ولا نصبا إنه لأمر إلهي وصنع رباني ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة ولا يطرقها تمويه وتعز في بصيرة المستبصرين وتبدو في فكرة المتفكرين ومن رزقه الله تعالى الحلول بتلك الأرجاء والمثول بذلك الفناء فقد أنعم الله عليه النعمة الكبرى وخوله خير الدارين الدنيا والأخرى فحق عليه أن يكثر الشكر على ما خوله ويديم الحمد على ما أولاه جعلنا الله تعالى ممن قبلت زيارته وربحت في قصدها تجارته وكتبت في سبيل الله آثاره ومحيت بالقبول أوزاره بمنه وكرمه
ومكة المعظمة هي مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة في بطن واد تحف به الجبال فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها وتلك الجبال المطلة عليها ليست بمفرطة الشموخ والاخشبان من جبالها جبل أبي قبيس وهو في جهة الجنوب منها وجبل قعيقعان وهو في الجهة الغربية منها وفي الشمال منها الجبل الأحمر ومن جهة أبي قبيس أجياد الأكبر وأجياد الأصغر وهما شعبان والخندمة هي جبل وسيذكر والمناسك كلها منى وعرفة والمزدلفة بشرقي مكة شرفها الله ولمكة من الأبواب ثلاثة باب المعلى بأعلاها وباب الشبيكة من أسفلها ويعرف أيضا بباب العمرة وهو إلى جهة المغرب وعليه طريق المدينة الشريفة ومصر والشام وجدة ومنه يتوجه إلى التنعيم وسيذكر ذلك وباب المسفل وهو من جهة الجنوب ومنه دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم الفتح ومكة شرفها الله كما أخبر الله في كتابه العزيز حاكيا عن نبيه الخليل بواد غير ذي زرع ولكن سبقت لها الدعوة المباركة فكل طرفة تجلب إليها وثمرات كل شيء تجبى لها ولقد أكلت بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرطب ما لا نظير له في الدنيا وكذلك البطيخ المجلوب إليها