وذهبوا بنا إليها فكان من العجائب إظهارهم السرور بنا والاستبشار والفرح وهم لا يعرفون لساننا ونحن لا نعرف لسانهم ولا ترجمان فيما بيننا وأقمنا عندهم يوما وانصرفنا
ثم سافرنا من هذه البلدة إلى بلدة سبرتا وهي بلدة حسنة العمارة والأسواق كثيرة البساتين والانهار لها قلعة في جبل شامخ وصلنا إليها بالعشي ونزلنا عند قاضيها
وسافرنا منها إلى مدينة أكريدور مدينة عظيمة كثيرة العمارة حسنة الأسواق ذات أنهار وبساتين ولها بحيرة عذبة الماء يسافر المركب فيها يومين إلى أقشهر وبقشهر وغيرها من البلاد والقرى ونزلنا بها بمدرسة تقابل الجامع الأعظم بها المدرس العالم الحاج المجاور الفاضل مصلح الدين قرأ بالديار المصرية والشام وسكن بالعراق وهو فصيح اللسان حسن البيان أطروفة من طرف الزمان أكرمنا غاية الإكرام وقام بحقنا أحسن قيام وسلطان أكريدور أبو اسحاق بك بن الداندار بك من كبار سلاطين تلك البلاد سكن ديار مصر أيام أبيه وحج وله سيرة حسنة ومن عاداته أنه يأتي كل يوم إلى صلاة العصر بالمسجد الجامع فإذا قضيت صلاة العصر استند إلى جدار القبلة وقعد القراء بين يديه على مصطبة خشب عالية فقرءوا سورة الفتح والملك وعم بأصوات حسان فعالة في النفوس تخشع لها القلوب وتقشعر الجلود وتدمع العيون ثم ينصرف إلى داره وأظلنا عنده شهر رمضان فكان يقعد في كل ليلة منه على فراش لاصق بالأرض من غير سرير ويستند إلى مخدة كبيرة ويجلس الفقيه مصلح الدين إلى جانبه وأجلس إلى جانب الفقيه ويلينا أرباب دولته وأمراء حضرته ثم يؤتى بالطعام فيكون أول ما يفطر عليه ثريد في صفحة صغيرة عليه العدس مسقى بالسمن والسكر ويقدمون الثريد تبركا ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم فضله على سائر الطعام فنحن نبدأ به لتفضيل