ولا قدرة له على تضييفنا ولا نريد أن نكلفه فضحك الشيخ وقال لي هذا أحد شيوخ الفتيان الأخية وهو من الخرازين وفيه كرم نفس وأصحابه نحو مائتين من أهل الصناعات قدموه على أنفسهم وبنوا زاوية للضيافة وما يجتمع لهم بالنهار أنفقوه بالليل فلما صليت المغرب عاد إلينا ذلك الرجل وذهبنا معه إلى زاويته فوجدناها زاوية حسنة مفروشة بالبسط الرومية الحسان وبها الكثير من ثريات الزجاج العراقي وفي المجالس خمسة من البياسيس والبيسوس شبه المنارة من النحاس له أرجل ثلاث وعلى رأسه شبه جلاس من النحاس وفي وسطه أنبوب للفتيلة ويملأ من الشحم المذاب وإلى جانبه آنية نحاس ملآنة بالشحم وفيها مقراض لإصلاح الفتيل وأحدهم موكل بها ويسمى عندهم الجراجي وقد اصطف في المجلس جماعة من الشبان ولباسهم الأقبية وفي أرجلهم الأخفاف وكل واحد منهم متحزم على وسطه سكين في طول ذراعين وعلى رؤوسهم قلانس بيض من الصوف بأعلى كل قلنوسة قطعة موصلة بها في طول ذراع وعرض أصبعين فإذا استقر بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوة ووضعها بين يديه وتبقى على رأسه قلنسوة أخرى من الزردخاني وسواه حسنة المنظر وفي وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين ولما استقر بنا المجلس عندهم أتوا بالطعام الكثير والفاكهة والحلواء ثم أخذوا في الغناء والرقص فراقنا حالهم وطال عجبنا من سماحهم وكرم أنفسهم وانصرفنا عنهم آخر الليل وتركناهم بزاويتهم وسلطان أنطاكيا خضر بك بن يونس بك وجدناه عند وصولنا إليها عليلا ودخلنا عليه بداره وهو في فراش المرض فكلمنا بألطف كلام وأحسنه وودعناه وبعث إلينا بإحسان
وسافرنا إلى بلد بردور وهي بلدة صغيرة كثيرة البساتين والأنهار ولها قلعة في رأس جبل شاهق نزلنا بدار خطيبها واجتمعت الاخية وأرادوا نزولنا عندهم فأبى عليهم الخطيب فصنعوا لنا ضيافة في بستان لأحدهم