وهو ييبس ويحمل إلى ديار مصر وهو بها مسظرف وفيها عيون الماء الطيب العذب الشديد البرودة في أيام الصيف نزلنا من هذه المدينة بمدرستها وشيخها شهاب الدين الحموي ومن عادتهم أن يقرأ جماعة من الصبيان بالأصوات الحسان بعد العصر من كل يوم في المسجد الجامع وفي المدرسة أيضا سورة الفتح وسورة الملك وسورة عم واحد الإخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية في كل بلد ومدينة وقرية ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتمالا بالغرباء من الناس وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة وقتل الشرط ومن ألحق بهم من أهل الشر والأخي عندهم رجل يجتمع أهل الصناعة وغيرهم من الشبان الأعزاب والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم وتلك هي الفتوة أيضا ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون به الفواكه والطعام إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم وكان ذلك ضيافته لديهم ولا يزال عندهم حتى ينصرف وان لم يرد وارد اجتمعوا على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا وانصرفوا إلى صناعتهم بالغد واتوا بعد العصر إلى مقدمهم بما اجتمع لهم ويسمون بالفتيان ويسمى مقدمهم كما ذكرنا الأخي ولم أر في الدنيا أجمل أفعالا منهم ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وأصفهان إلا أن هؤلاء أحب في الوارد والصادر وأعظم إكراما له وشفقة عليه وفي الثاني من يوم وصولنا إلى هذه المدينة أتى أحد هؤلاء الفتيان إلى الشيخ شهاب الدين الحموي وتكلم معه باللسان التركي ولم أكن يومئذ أفهمه وكان عليه أثواب خلقة وعلى رأسه قلنسوة لبد فقال لي الشيخ أتعلم ما يقول هذا الرجل فقلت لا أعلم ما قال فقال لي إنه يدعوك إلى ضيافته أنت وأصحابك فعجبت منه وقلت نعم فلما انصرف قلت للشيخ هذا رجل ضعيف