هذا وإن تكن له بها إقامة فيعرب عنها بحقيبة وعلامة ولا وصف ذهبيات أصيلها وقد حان من الشمس غروبها ولا أزمان جفولها المنوعات ولا أوقات شرورها المنبهات وقد اختص من قال
ألقيتها كما تصف الألسن وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
وجامع دمشق المعروف بجامع بني امية هو أعظم مساجد الدنيا احتفالا وأتقنها صناعة وأبدعها حسنا وبهجة وكمالا ولا يعلم له نظير ولا يوجد له شبيه وكان الذي تولى بناءه وإتقانه امير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان ووجه إلى ملك الروم بقسطنطينية يأمره أن يبعث إليه الصناع فبعث إليه اثني عشر ألف صانع وكان موضع المسجد كنيسة فلما افتتح المسلمون دمشق دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه من إحدى جهاتها بالسيف فانتهى إلى نصف الكنيسة ودخل أبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه من الجهة الغربية صلحا فانتهى إلى نصف الكنيسة فصنع المسلمون من نصف الكنيسة الذي دخلوه عنوة مسجدا وبقي النصف الذي صالحوا عليه كنيسة فلما عزم الوليد على زيادة الكنيسة في المسجد طلب من الروم أن يبيعوا له كنيستهم تلك بما شاءوا من عوض فأبوا عليه فانتزعها من ايديهم وكانوا يزعمون أن الذي يهدمها يجن فذكروا ذلك للوليد فقال أنا أول من يجن في سبيل الله وأخذ الفأس وجعل يهدم بنفسه فلما رأى المسلمون ذلك تتابعوا على الهدم واكذب الله زعم الروم وزين هذا المسجد بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء تخالطها أنواع الأصبغة الغريبة الحسن
وذرع المسجد في الطول من الشرق إلى الغرب مائتا خطوة وهي ثلاثمائة ذراع وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة وخمس وثلاثون خطوة وهي مائتا ذراع وعدة شمسات الزجاج الملونة التي فيه أربع وسبعون وبلاطاته ثلاثة مستطيلة من شرق إلى غرب سعة كل بلاط منها ثمان عشرة خطوة