و هذا يدلل علىعقليةِ ونبوغه،وانهما مستقلان بشخص مسلم . فلم يجاري شيخه البخاري ، وانما عرفه بعد ذلك . ولو ان الله تعالى قدر ان نقف على الكتب المفقودة لمسلم - ولاسيما كتابة الكبير في الجرح والتعديل - لوجدناه يكثر النقل عن شيخة البخاري . ( 9:17) لما اجتمع مسلم بالبخاري ، وذكر له علةً في حديث كفارة المجلس - وكان مسلم لا يراه الا صحيحا - فقال له مسلم:"يا طبيب الحديث في علله ، يا استاذ الاستاذين ، دعني اقبل يدك ، دعني اقبل رجلك ، اخبرني عن علة هذا الحديث". هكذا كانوا - رحمهم الله تعالى- وحق لهم ان يقولوا:"لا ينبغ الرجل حتى ياخذ عمن مثله وعمن دونه وعمن هو اعلى منه". الا ان مسلما في هذه الحيثية كما ذكرت ادق ، فمسلم تعب اكثر من البخاري ، فتجنب من ُتكلم فيه، اما مسلم فمحص في احاديثه، فعمل البخاري ادق ، وعمل مسلم اشق . البخاري يناسب شرطه ان يقطعه -أي الحديث- ويكرره ويجزءه ، اما مسلم فلا يناسب شرطه الا ان يورد الاحاديث اثرى بعضها بعضا حتى يجبر الضعف والكسر الموجود في بعض الروايات . فوضع الشرط مع مادة الكتاب امران متلازمان .لو ان مسلما شتت [ طرق الحديث] لفوت علينا فائدة عظيمة ، وهو [مسلم] اول من فعلها [جمع طرق الحديث ] في التطبيق العملي ، و [اول من] فصلها الشافعي في كتابه الرسالة: من ان الحديث يقوى بتعدد الطرق ، وان الضعف اليسير يجبر بتعدد الطرق . فهذا صنيع مسلم في الصحيح يؤكد ذلك . لذا فان بعض الرواة في صحيح مسلم ، لوجدنا ابن حجر في التقريب مثلا يقول عنهم: صدوق وصدوق يهم , فاخرج مسلم لهم لان الحديث ليس مداره عليهم ، لانه توبع . ومما ينبغي ذكره ان احاديث الصحيحين لا تقتصر على درجة الحديث الصحيح .فاذا قلنا: كل ما في الصحيح صحيح ، فان المراد من كلمة (صحيح) انه يظهر الاحتجاج بها والعمل بها . ففي الصحيحين احاديث كثيرة حسنة لم تستكمل شروط الصحة ولكنها ليست بضعيفة .