فإذا تقرَّر ذلك فإنَّ الله تعالى بعلمه وخبرته وقُدرته ومشيئته وخلقه وقوَّته وفضله ورحمته قد جعَل للمُسبَّبات أسبابًا تُنالُ بها، وللمَقاصد طُرقًا ووسائل تُحصَّل بها، وقرَّر هذا في الفِطَر السليمة، ودلَّ عليه العُقول الصحيحة، وقرَّر ذلك في الشرائع والرِّسالات، ونفَّذه في الواقع وجعَلَه مُدرَكًا من خَلقِه في الواقع والمشاهدات، فأعطَى كلَّ مخلوقٍ خلقَه اللائق به، ثم هَداه لما خلقه له من أصناف السعي والحركة والتصرُّفات المتنوِّعة، وبنى أمورَ الدُّنيا والآخِرة على ذلك النِّظام البديع العجيب الشاهد لله سبحانه بكَمال العلم والحكمة والقُدرة والقوَّة، وأشهَد العِباد أنَّه بهذا التنظيم الدقيق والتصرُّف الحكيم والتيسير البيِّن وجَّه العالمين إلى أعمالهم، ونشَّطهم إلى أشغالهم؛ ليَحرِصوا على ما ينفَعُهم، ويُباشِروا من الأسباب الشرعيَّة والمباحة ما أمكَنهم، مُستَعِينين بربِّهم، مُتوكِّلين عليه ومُعتمِدين عليه، واثقين به في تحصيل مَقصودهم؛ ولذلك قال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 105] ، وقال - صلى الله عليه وسلم:"اعمَلوا، فكُلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلق له" [1] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفَعُك، واستَعِنْ بالله ولا تعجز، فإنْ أصابك شيءٌ فلا تقلْ: لو أني فعلتُ كذا كان كذا، ولكن قُلْ: قدر الله وما شاء فعل" [2] .