الثاني: إنَّها سنَّة وليست بواجبةٍ، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن الشافعي وأحمد، وقول أكثرِ أهل العلم، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، ومن أدلَّة ذلك:
• حديث جابر - رضِي الله عنه - مرفوعًا: سُئِل - يعني: النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - - عن العُمرة: أواجبةٌ هي؟ قال: (( لا، وأن تعتَمِرَ خيرٌ لك ) )؛ صحَّحه الترمذي [3] .
ولأنَّ الأصْلَ عدمُ وجوبها، والبراءة الأصليَّة لا يُنتَقلُ عنها إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك، مع اعتِضاد الأصْل بالأحاديث القاضية بعدَم الوجوب.
• ويُؤيِّده اقتصارُ الله تعالى على فرْض الحج يقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .
ولفظ الحج في القُرآن لا يتناول العُمرة؛ فإنه سبحانه إذا أراد العُمرةَ ذكَرَها مع الحج كقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] .
ففي الآية الأولى (آية آل عمران) : أوجب سبحانه الحجَّ ولم يَذكُرِ العُمرة.
وفي الآية الثانية (آية البقرة) : أوجَبَ تمامَ الحجِّ والعُمرة، فإنَّهما يجبان بالشُّروع فيهما، وإيجاب الإتمام لا يقتَضِي إيجاب الابتداء، فإنَّ إيجابَ الابتداء يحتاجُ إلى دليلٍ خاصٍّ به - فإنَّه محلُّ النِّزاع - ولا دليل يخصُّه سالم من العلَّة حتى يصلح للاستدلال به على المراد.