وقد كان عمر بن عبدالعزيز [1] رحمه الله يأمر بزكاة الفطر، ويتلو هذه الآية: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] ، وقال عِكْرمة رحمه الله في الآية: هو الرجل يقدِّم زكاته بين يدي - يعني: قبل - صلاتِه - أي: العيد -.
وهكذا قال غيرُ واحدٍ من السلف رحمهم الله في الآية: هي زكاة الفطر، ورُوِي ذلك مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن خُزيمة وغيره، وقال مالك رحمه الله: هي - يعني: زكاة الفطر - داخلةٌ في عموم قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] .
وثبتَ في الصحيحين وغيرهما من غير وجْهٍ: فرَضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر [2] ، وأجْمَعَ عليها المسلمون قديمًا وحديثًا، وكان أهل المدينة لا يرون صَدَقة أفضلَ منها.
حكمها:
حكى ابنُ المنذر وغيرُه الإجماعَ على وجوبها، وقال إسحاق رحمه الله: هو كالإجماع.
قلت: ويَكْفي في الدَّلالة على وجوبها - مع القدرة في وقتها - تعبير الصحابة رضي الله عنهم بالفَرْض؛ كما صرَّح بذلك ابن عمر وابن عباس، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فرَضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفِطْر ... الحديث [3] ، وبنحوه عبَّر غيرُه رضي الله عنهم.
حِكمة مشروعيتها:
شُرِعَتْ زكاة الفطر؛ تطهيرًا للنفْس من أدرانها؛ من الشُّحِّ وغيره من الأخلاق الرديئة، وتكميلًا للأجْر، وتنمية للعمل الصالح، وتطهيرًا للصيام ممَّا قد يؤثِّر فيه وينقص ثوابَه من اللغو والرَّفَث ونحوهما، ومواساة للفقراء والمساكين، وإغناءً لهم عن ذُلِّ الحاجة والسؤال يوم العيد.
فعن ابن عباس مرفوعًا: فرَضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفطر للصائم من اللغو والرَّفَث، وطُعمة للمساكين [4] ؛ رواه أبو داود والحاكم وغيرهما.