وفي البخاري عن سلمة بن الأكوَعِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في الأضاحي:"كُلُوا وادَّخِروا وتصدَّقوا"، وعند مسلمٍ عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"كُلُوا وادَّخِروا وتصدَّقوا".
فليس في هذه النُّصوص من الكتاب والسنَّة بيانٌ لقدر ما يُؤكَل ويطعم ويتصدق، فدَلَّ على أنَّ ذلك متروكٌ للإنسان ولحال الناس أيَّام الأُضحِيَّة؛ فإنْ كان في الناس شدَّة ومَجاعة، غلب جانب المواساة إطعامًا وصدقة؛ لنَهيِه صلى الله عليه وسلم سنةَ مجاعة عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ من أجل مُواساة الناس، وإنْ كان الناس في حال سعة وبَسطة من العيش، فقد رُوِيتْ آثار عن الصحابة رضي الله عنهم أنَّهم كانوا يَأكُلون ثُلثًا ويُطعِمون أقاربهم وجِيرانهم ثلثًا، ويتصدَّقون بالثلث، وهذا هو الذي استَحَبَّه الإمامان الشافعيُّ وأحمد، ورُوِي عن جمعٍ من الصَّحابة، والأمر في ذلك واسعٌ؛ فلو أكَلَها كلَّها، أو تصدَّق بها كلَّها، أو أهداها كلَّها، فلا حرج، لكنْ يحرم أنْ يَبِيع شيئًا منها، أو يُعطِي الجزَّار أجرَتَه منها؛ لأنها مالٌ أخرَجَه لله تعالى مُتقرِّبًا إليه، فلا ينبغي أنْ يستَرجِع منه شيئًا ببيع، أو أجرة، أو نحو ذلك.
وهذا أوانُ الفَراغ من هذه الرِّسالة، ونسأل الله سبحانه أنْ يجعَلَها مُباركةً نافعةً لكلِّ مَن قرَأَها، أو علمها أو سمعها، أو أعان على نَشرِها، وأنْ يجعلها خالصةً لوجهه، مُقرِّبة إليه، مقبولةً لديه.
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه