وفي الصحيح قال - صلى الله عليه وسلم: (( واعلَم أنَّ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا ) ) [1] ، وقال - عليه الصلاة والسلام: (( وما أُعطِي أحد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر ) ) [2] ، وفي التنزيل: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] ، و {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] ، وقال - تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
وفي الصِّيام من كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضَع للحق وتَتواضَع للخلق ما لا نَظِيرَ له؛ فإنَّ الشِّبَع والريَّ ومباشرةَ النساء يَحمِل كلٌّ منها جملةً من الناس غالبًا على الأَشَرِ والعلوِّ، وبطر الحق وغمط الناس في كثيرٍ من الأحوال.
وفي الجوع والظمأ وهجر الشهوات خصوصًا على وجه العبوديَّة لله ما يكسر من حِدَّتها ويكبح من جماحها، ويكون عَوْنًا للمرء عليها، ويجعلها تستعدُّ لطلب وتحصيل ما فيه غاية سعادتها، وقبول ما تزكو به في حياتها الأبدية؛ قال - تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10] ، وقال - تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] .
والصِّيام يُذكِّر العبدَ بعظيم نِعَمِ الله عليه، وجزيل إحسانه إليه؛ فإنَّه إذا جاع وعطش وهجَر شهوَتَه ذكَر الأكباد الجائعة والأنفس المحرومة، فكان ذلك من دَواعِي حمده لربِّه على نعمته، وشكره له على جوده وكرمه، وكان ذلك من أسباب رقَّة قلبه ممَّا يجعَلُه يعطف على المساكين ويغيث الملهوفين، فيُواسِيهم ويَجُود عليهم، وذلك من أسباب حفظ النِّعَم وزيادتها، واندِفاع النِّقَم والسلامة من آفاتها.