لقد سمى الله - تبارك وتعالى - الدعاء عبادةً بقوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، ذلك أن العبادة هي طلبُ ما عند الله - في غايةٍ من الافتقار والاضطرار والرغبة والرهبة - بالأقوال، والأفعال، والتروك، والأحوال على نحو ما جاء به الشرع المُطهَّر، وهي الحكمة التي خلق الله - تعالى - الجن والإنس من أجلها، وأمرهم بها ورتب الثواب والعقاب عليها ليختار من خلقه من هم أهل لمجاورته في دار كرامته فهي آية الاصطفاء وعلامة الاجتباء وعنوان السعداء فهي علامة في الدنيا تميز بين المسلمين والمجرمين.
ولقد أخبر - تبارك وتعالى - عن قربه من داعيه وإجابته لمناديه، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] ، ليدل على كرم الدعاء والداعي على الله وكم له من الكرامة يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ولذا قال صلى الله عليه وسلم (( أكرمُ شيءٍ على الله - عز وجل - من الدعاء ) ).
والفزعُ إلى الدعاء شكرًا لله عند تجدُّد النعمة وسؤالًا له عند الحاجة مع الإخلاص وصدق الرجاء دليلٌ على تحقُّق التوكل على الله تعالى مع حسن الظن به، فإن سرَّ التوكُّل على الله تعالى وحقيقته هو صدق اعتماد القلب على الله تعالى وحده، ومباشرة ما شرعه الله وأباحه من الأسباب لتحصيل الحاجة، واتقاء المرهوب مع كمال الثقة به في تحقيق المطلوب، فأعظمُ ما يتجلَّى التوكل حال الدعاء؛ ذلك لأن الداعي حال دعائه مستعين بالله تعالى في حاجته، مُفوِّضٌ أمره إليه، واثقٌ بانقضاء الحاجة من عنده، ولذلك توجَّه إلى ربه، ولم يلتفت إلى غيره، والله تعالى يحب الداعين المُلِحِّين، ويحب المتوكلين، ولا يضيع أجر العابدين المخلصين.
رابعًا: الاضطرار وصدق اللجأ وأثرهما في إجابة الدعاء: