فإن العلماء يبيّنون حكم الله تعالى وقت الحاجة قضاءً، أو إفتاءً، أو تعليمًا، أو حكمًا في النازلة تبليغًا عن الله ورسوله، والأمراء ينفذون حكم الله تعالى ويلزمون به ويقيمون حدوده.
فكل ذي ولاية في الدولة المسلمة عليه من المسئولية وله من الحق على غيره بحسب ولايته، وأعظمهم مسئولية وأجلهم حقًّا ولي الأمر الأعظم، ثم نوابه ووزراؤه وعماله، كلٌ له من الحق وعليه من الواجب بحسب منصبه ومقامه.
قال الإمام ابن زمنين - شيخ قرطبة في زمانه:
«ومن قول أهل السنة: إن السلطان ظل الله في الأرض، وإنَّ من لم ير على نفسه سلطانًا برًّا كان أو فاجرًا فهو على خلاف السنة» [2] .
قلت: وإنما كانوا يرون أن السلطان ظلُّ الله في الأرض لما يُروى من الأحاديث بهذا اللفظ والمعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم [3] ، ولما يحصل به من الرحمة، وصيانة الحرمة، وإقامة الملة، وتحقيق الكرامة، وجمع الكلمة ووحدة الأمة، وتحقيق الهيبة.
فوجود السلطان من أعظم النعم على الأمم التي يجب أن تُعظَّم وتُحترم وأن لا تُهان، فتبُوء الأمةُ بالحرمان والخسران، فقد جاء في سنن الترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله» [4] .
وجاء عن حذيفة رضي الله عنه موقوفًا قال: «ما مشى قوم إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن يموتوا» [5] .
قلت: والواقع خير شاهد على ذلك:
• فما حرَّض قوم على سلطانهم ونالوا منه إلا فتحوا على أنفسهم أبواب الفتن، وأنواع الشرِّ.
• وما خرج قوم على سلطانهم إلا لم يدركوا خيرًا منه، والغالب أنه يحصل بينهم من الاقتتال والفساد ما يكون به أعداؤهم من اليهود والنصارى أرحم بهم من أنفسهم.
ولذا قيل: «إمامٌ غشومٌ خيرٌ من فتنةٍ تدومُ» [6] .
وقيل: «ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة بلا إمام» [7] .