واحتلّت مكانة عظيمة في نفوس المثقّفين في مصر, وأصبحت دار المطبعة السّلفيّة"نبع القلوب الصّادية, تردها من الشّباب فئة قليلةُ الصّبر على ضيم ينزل بالأمّة العربيّة من ظلم الاستعمار" [1] .
وكان يتجمّع فيها المثقّفون, ويتناقشون فيما بينهم بأهمّ ما يعرض في السّاحة من أحداث. وقد ذكرنا سابقًا أنّ مولد مجلّة الفتح كان في المطبعة السّلفيّة, بعد اجتماع لعلماء وأدباء مسلمين كبار عُقد في هذه المطبعة. وسنجد أنّ مولد جمعيّة الشّبان المسلمين كان في المطبعة السّلفيّة أيضًا.
فالمطبعة السّلفيّة لم تكن مجرد دار نشر عاديّة, بل يمكن أن نطلق عليها اسم مركز القيادة للحركة الفكريّة في ذلك الوقت, وذلك بسبب نشاط السّيّد محب الدّين, ومكانته العلميّة, واجتماع العلماء والأدباء فيها, فلا نكاد نسمع عن كاتب مهمّ, أو مفكّر عظيم, إلّا وكان له مع المطبعة السّلفيّة ومكتبتها حضور وقصة تُذكر بين ثنايا الكتب المتفرّقة.
قام السّيّد محب الدّين ببناء المطبعة السّلفيّة ومكتبتها, وألحقها مع داره في بناء واحد, فلا يضيّع وقته في التّردد بين المنزل والمكتبة, ويقضي معظم وقته من الصّباح إلى المساء وهو يعمل فيها [2] . ويجتمع إليه جلّة من علماء مصر وأدبائها, ومن علماء الأقطار الإسلاميّة الّذين يفدون عليها, منهم أحمد تيمور باشا, ومحمّد الخضر حسين, وغيرهم [3] . وظلّ السّيّد محب الدّين متابعًا لعمله في هذه المطبعة, وكان"يشارك عمّاله في عملهم, ويحلّ محلّ من يتأخّر أو يغيب منهم, يعمل أكثر ساعات اليوم, لا يملّ ولا يتأفف, ولا ينام إلّا قبيل الفجر, يحرّر ويؤلّف ويصحّح ويطبع إذا"
(1) ـ الجندي, أنور, أعلام الدّعوة والفكر, القاهرة, مكتبة الأنجلو المصريّة, 1981, 385.
(2) ـ المراغي, أبو الوفا,"محب الدّين الخطيب كما عرفته", في الأزهر, 41 (ذو الحجّة 1389 / فبراير 1970) , 779.
(3) ـ الطّنطاوي, علي, ذكريات علي الطّنطاوي, 7, 131.