التّفكير في مستقبل البلاد العربيّة بعد هذه المحنة وكانت الآراء متّفقة ومتلاقية على أنّ مصلحة العالم الإسلاميّ والأقطار العربيّة في ملحمة الحرب العالميّة الأولى هي في الوقوف على الحياد, وترك الفريقين المتنازعين على استعمار الأرض واستعباد الأمم, يحطّم بعضهم بعضًا" [1] . إلّا أنّ دخول الإتحاديّين في الحرب زاد من إرهابهم, وأخذوا يصادرون المحاصيل, ويفرضون الإعانات للجيش باسم التّكاليف الحربيّة, وينقلون الجنود إلى مناطق بعيدة, مما أدّى إلى إحساس العرب العميق بالظّلم. وزاد من هذا الإحساس تولّي جمال باشا الحكم في بلاد الشّام, وسياسته الظّالمة الغاشمة, الّتي أرهقت النّاس, ومن ثمّ إعدامه لرموز القوميّة العربيّة بلا وجه حقّ,"وخاف النّاس عندما رأوا صبيحة 21 آب 1915 م الأجسام المعلّقة, وشعر جمال باشا بالرّاحة لهذا الخوف, وأسرع في تلافي موجة السّخط العارمة الّتي حلّت بالنّاس الّذين لم يصدّقوا أنّ الّذين أعدمهم جمال باشا كانوا حقًّا خونة" [2] . وجاء في بيان أصدره جمال باشا بعد إعدامهم, أنّه أعدمهم بسبب عملهم على"سلخ سوريا وفلسطين والعراق عن راية السّلطنة العثمانيّة, وجعلها إمارة مستقلّة [وذلك من خلال اتّصالهم بفرنسا] " [3] ."
وقد حاول الشّريف حسين التّوسّط عند جمال باشا للعفو عن هؤلاء العرب الأشراف, فأرسل ولده إليه, لكنّ جمال باشا رفض هذه الوساطة, وأتمّ إعدامهم. وكان الشّريف حسين يتولّى منصب شريف مكّة, وكان"شاغل هذا المنصب عادة يتمتّع بقيمة خاصّة, ويستشعر لنفسه مركزًا ممتازًا, فهو من سلالة النّبي - صلى الله عليه وسلم - من ناحية, وهو الحاكم المباشر لأرض الحرمين الشّريفين من ناحية أخرى" [4] . ولم تكن العلاقات بينه وبين الإتحاديّين على ما يرام, فقد"ساد سوء الظّن بين الجانبين, إلى حدّ أنّ الدّولة العثمانيّة كانت تريد إقصاء شريف مكّة عن مركزه الدّينيّ, والقضاء على المركز"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 56 ـ 57.
(2) ـ سلطان, علي, تاريخ سوريا 1908 ـ 1918 م, دمشق, دار طلاس, 1987, 304 ـ 305.
(3) ـ نبهان, عبد الإله, عبد الحميد الزّهراوي, دمشق, منشورات وزارة الثّقافة, 1995, 1, 72.
(4) ـ قدّورة, زاهية, تاريخ العرب الحديث, 241.