اللّفظ في نفوس جمهورها موقع الرّضى, وكان بذلك من أهل الحياة فلغة الأمّة تتضمن تاريخ أساليب التّفكير عندها, من أبسط حالاته إلى أرقاها [1] .
2 ـ واللّغة العربيّة تدلّ على الأمّة العربيّة. وقد جاء الإسلام ليحفظ هذه اللّغة, ويوحّد العرب, فقد كانت العربيّة عند ظهور دين التّوحيد لغة قبائل, لربيعة في شمال جزيرة العرب لهجة, ولتميم وقيس ومن انضاف إليهم في وسط الجزيرة لهجة, ولكنانة وهذيل وثقيف وخزاعة وأسد وضبّة وألفافها من عرب الحجاز وتهامة لهجة, فضلًا عن لغة اليمانيين في جنوب الجزيرة. وكانت لهجة القبيلة الواحدة تفترق عن لهجة غيرها, في مادة اللّغة, وفي كيفيّة النّطق بها. ولمّا جمع اللّه العرب بالإسلام تحت لواء واحد , كان للاجتماع والائتلاف أثرهما على ألسنتهم في سبيل توحيد اللّغة. فبعد أن كانت اللّهجات المتعددة مظهرًا من مظاهر الفرقة والضّعف القوميّ, تحوّلت فيما بعد إلى سبب من أسباب الاتساع الأدبيّ, لأنّ تعدد الأسماء عند القبائل المختلفة للمسمّى الواحد دعا, عند تباري علماء الإسلام في تدوين مادة اللّغة في الدّفاتر والمعاجم إلى ما نرى من غناء اللّغة العربيّة بالمفردات وكثرة المترادفات [2] .
3 ـ فهذه اللّغة وحّدت العرب والمسلمين, وكوّنت الأمّة الإسلاميّة, وهي لغة قويّة لا تستطيع أيّ قوّة أن تدمّرها, أو تحدّ من سلطانها لأنّها محفوظة من اللّه بقرآنه الكريم. فالعربيّة لا تقوى مدافع الدّنيا وقذائفها على تدمير معاقلها, وتعجز شياطين الإنس والجنّ عن تشويه جمالها وعن التّشكيك بسلطانها, أو الوقوف في طريقها وهي سائرة لتكون لغة المستقبل [3] .
وتنتج قوّة اللّغة العربيّة من استقلاليّتها. فهي لغة استقلاليّة غنيّة عن غيرها, واسعة رحبة, تعبّر عن كلّ المشاعر, وتستطيع أن تبيّن العلوم وتتحدّث عن الحكم
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"القوميّة عند العرب", في الزّهراء, 1 (صفر, 1343) , 74.
(2) ـ المصدر نفسه, 66.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين, الحديقة, 2, 91 ـ 93.