والأحداث, فهي مثل أمّتنا لغة استقلاليّة, ربّما كانت أغنى من كلّ لغة أخرى عن الاحتياج إلى غيرها , وهي أصيلة وغنيّة وقويّة بطبعها [1] .
4 ـ لذلك فإنّ السّيّد محب الدّين لم يكن يخشى على اللّغة العربيّة, فهي صامدة. ولكنّه كان يحمّل العلماء المسلمين وأبناء العروبة مسؤوليّة الدّفاع عن هذه اللّغة, ومسؤوليّة خدمتها بما تستحقّ من العناية والرّعاية وإبراز الجمال, بما يعزز مكانتها في النّفوس وفي عيون العالم بأسره. فاللّغة العربيّة بنظره, قد خذلها علماؤها اليوم, فلم يكوّنوا لأنفسهم مجمعًا جدّيًا, يكون المرجع الأعلى لأمثاله في كلّ قطر عربيّ, ويكون فيه العلماء الأخصّائيون الّذين بنوا علمهم على الأسس المتينة الّتي وضعها لنا أئمة هذه اللّغة, من عهد الخليل وسيبويه إلى يومنا هذا [2] .
وحمّل مجمع اللّغة العربيّة مهمّة حفظ هذه اللّغة والدّفاع عنها والعمل على حمايتها من هجمات أعدائها وذلك ببيان جمالها وقدرتها على مواكبة الحضارة والتّقدّم, فمهمّة مجمع اللّغة العربيّة جدّ خطيرة, وهي مهمّة مزدوجة, مبنيّة على القاعدة الإسلاميّة في درء المفاسد, وجلب المنافع فسلامة اللّغة العربيّة هي الهدف الأوّل الّذي أُنشئ المجمع لتحقيقه والمحافظة على سلامة اللّغة لا تكون إلّا من حكيم عرف دخائلها [3] .
واعتبر السّيّد محب الدّين أنّ العرب مقصّرون تجاه الّلغة العربيّة, وتجاه تعليمها لأبنائهم, وغرس محبّتها في نفوسهم, وقد كان يطالب دائمًا بتعليم الأبناء حبّ هذه اللّغة من خلال تعويدهم على المطالعة, وكان يرى أنّ هذا الطّريق سوف يُسرّع في النّهضة المرجوّة للأمّة العربيّة, لأنّ هذه المطالعة تعرّف الجيل الحديث على تراث السّلف, وبالتّالي سوف يكونون أكثر قربًا منه وحبًّا له, فبالإمكان تسريع خطوات نهضتنا الأدبيّة, إذا عُنيت مدارسنا بتعويد تلاميذها على المطالعة, وحبّبت إليهم اقتناء الكتب العربيّة, وتوسيع المعارف والمدارك بها [4] .
5 ـ وقد تعرّضت اللّغة العربيّة لكثير من الحروب, وكان دفاع السّيّد محب الدّين عنها قويًّا عبّر فيه عن حبّه الشّديد لها, واعتزازه الكبير بها. فعندما ظهرت الدّعوة إلى استخدام العاميّة, وارتفعت بعض الأصوات الّتي أخذت تنتقد اللّغة العربيّة, وتعتبرها لغة قاصرة, لا تستطيع أن تكون لغة الحضارة, تصدّى السّيّد محب الدّين لهذه الدّعوات وحاربها, وبيّن خطأها, وأكّد في كثير من مقالاته أنّ هذه اللّغة هي لغة العلم ولغة الحضارة, وهي الجامعة الّتي تربط العرب والمسلمين في كلّ بقاع الأرض. فالفرق الحقيقي بين العاميّة والفصحى في أمّة الضّاد, هو أنّ للفصحى امتدادًا جغرافيًا إلى بلاد الجامعة العربيّة, يجعل منها في الثّقافة والأدب, على الأقلّ, وطنًا واحدًا [5] .
كتب السّيّد محب الدّين مقالات كثيرة دافع فيها عن اللّغة العربيّة, منها مقالاته في مجلّتي الزّهراء والفتح, وكانت هاتان المجلّتان منبره الّذي دافع منه عن لغته الحبيبة بكلّ حماسة وشجاعة. وكان يعتبر أنّ الأمّة كلّها مسؤولة عن الدّفاع عن أدبها ولغتها, وكان يقول:"إنّ مسؤوليّة الأمّة في أدبها قد تكون, في كثير من الظّروف, أعظم من مسؤوليّتها في سياستها العامّة, لأنّ الظّروف الّتي تكون الأمّة فيها أكثر حريّة في تكييف أدبها, أوسع نطاقًا من الظّروف الّتي تكون فيها صاحبة التّصرف الحقيقي في اتّجاهها السّياسيّ, حتّى لو كانت حاصلة على الاستقلال" [6] .
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"اللّغة العربيّة ما ينتظر أن يكون لها من تأثير في نهضتنا الفكريّة والعمرانيّة وحياتنا القوميّة", في الفتح, 822 (جمادى الأولى, 1346) , 346.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"القوميّة عند العرب", في الزّهراء, 1 (صفر, 1343) , 66.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"مهمّة مجمع اللّغة العربيّة", في الفتح, 853 (ربيع الأوّل, 1367) , 60.
(4) ـ الخطيب, محب الدّين,"الافتتاحيّة", في العاصمة, 106 (جمادى الثّانية, 1338/ 4 آذار ,1920) ,1.
(5) ـ الخطيب, محب الدّين,"لغة القرآن فقدت مرونة التّطوّر", في الفتح, 850 (ذو الحجة, 1366) , 886.
(6) ـ الخطيب, محب الدّين,"الاتجاهات في الأدب العربيّ اليوم", في الزّهراء, 4 (ذو الحجة, 1346) , 579.