لذلك كان يعتبر نفسه مسؤولًا عن الدّفاع عن عروبة مصر, وذلك عندما ظهرت الدّعوات الّتي كانت تريد سلخ هذا القطر عن عروبته, فمصر الّتي تتكلم اللّغة العربيّة من أربعة عشر قرنًا, وتتأدّب بالأدب العربيّ, حتّى صارت لها فيه الإمامة والقيادة, فإنّها لا تزال تتساءل من نحن؟! , ويريد بعض حملة الأقلام فيها أن يقولوا إنّ العربيّ لا يكون إلّا أعرابيًّا, فإن لم يكن أعرابيًّا فلا تكفي عراقته في العربيّة وآدابها أربعة عشر قرنًا ليقول بملء فيه, ومن صميم قلبه نحن عرب مصريّون [1] .
ومن خلال دفاعه عن اللّغة العربيّة كان يُظهر دائمًا روعتها وسعتها وجمالها, وكثيرًا ما كتب في هذا الموضوع, من ذلك قوله:"كلّ الأمم كان لها في أدوار حياتها وقبل تمدّنها وحضارتها دور بداوة, وكلّ الأمم كانت في دور بداوتها ذات لغة بدائيّة قليلة المفردات, لا تكاد تبلغ كلماتها ألف كلمة, إن لم تكن أقلّ من ذلك, وكانت مداركها العقليّة ضئيلة كضئولة لغاتها, لأنّ لغة كلّ أمّة ترجمان مداركها العقليّة ودليل اتّجاهاتها الخلقيّة وأهدافها الإنسانيّة, فالعربيّة من دون لغات البشر جميعًا بلا استثناء, كانت في بداوة أهلها أوسع لغات أمم الأرض قاطبة في بداوتهن, وكانت مع امتيازها بهذه السّعة غنيّة بمعانيها الإنسانيّة, بينما بعض اللّغات لا يكاد يوجد فيها ما تعبّر به عن أبسط الأخلاق الفطريّة ولأنّها لغة أمّة استغنت بالأخلاق في بداوتها عن القوانين والأنظمة المكتوبة, وعن الحكومات والأحكام" [2] .
والعربيّة أعرق لغات الأرض في القدم, وإنّ سعتها وكثرة مشتقّاتها, ودقّتها في التّعبير, وإحاطتها بمعاني الفطرة والمشاعر الإنسانيّة, ورشاقة مادّتها, وبلاغتها في أداء المعنى الكثير باللّفظ القليل, ومنطقها السّليم في إعرابها, كلّ ذلك لاريب أنّه مما لم يتوافر بجملته للغة أخرى من لغات البشر في بداوتها كما توافر للّغة العربيّة في بداوتها, وقد دلّ على أنّ العربيّة كانت موجودة في أطوارها الأولى قبل أدهار وأدهار
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"من نحن", في الأزهر, 24 (ربيع الثّاني, 1372 / ديسمبر, 1952) , 401.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"العملاق بين أمسه ويومه", في الأزهر, 29 (ربيع الآخر, 1376/ نوفمبر, 1956) , 338.