من بدء وجود أيّ لغة أخرى من اللّغات المعروفة. وإنّ أعداء هذه اللّغة وأعداء أهلها يقفون أمام هذه الحقائق حيارى واجمين لهذا كلّه ولغيره مما لا يتّسع له إلّا الدّراسات الجامعيّة المتواصلة لهذا وذاك اختار اللّه العروبة لحمل أكمل رسالاته, وظهر الإسلام في بيئة هي أعظم بيئات الإنسانيّة ملائمة لظهوره فيها [1] .
إذًا فالسّيّد محب الدّين كان يؤمن بهذه اللّغة, وكان يعرف أهميّتها, ويشعر برقيّها, ويدرك عراقتها. وكان يرى فيها الملاذ الّذي سوف ينقذ الأمّة من ذلّها وخنوعها. فدراسة اللّغة العربيّة وعلومها وآدابها وتراث السّلف الّذي كُتب بهذه اللّغة, هو الّذي سيعرّفنا على ماضي أمّتنا العريق, وعلى حضارتنا, وعلى جهود علمائنا المخلصين الّذين بنوا هذه الحضارة, وعلى كتاب اللّه الّذي فيه خيرنا وسعادتنا في الدّنيا والآخرة. فالعربيّة هي مصدر قوّتنا, والغذاء المتواصل لحيويّة أجيالنا, ودراسة هذه اللّغة والتّاريخ العريق الّذي سجّلته لنا, هو الّذي سيبعث هذه الأمّة بعثًا جديدًا, يكون فيه المجد لنا, والسّعادة للإنسانيّة جميعًا. فنحن العرب كنّا في جزيرتنا قبل الحضارة, وقبل تأليف الكتب, وقبل وجود المدارس في معزل عن مساوئ كثيرة هي من لوازم الحضارة والعمران وكان سلفنا في بداوتهم هم الأمّة البدويّة الوحيدة الّتي تفرّدت بمدارك واسعة وأحلام راجحة لم تشاركهم في مثلها أيّة أمّة بدويّة أخرى وكذلك اللّغة الّتي كان يتكلّم بها أسلافنا العرب قبل أن تكون لها معاجم, ومصطلحات علميّة وفلسفيّة واقتصاديّة وصناعيّة, كانت قد بلغت من الكمال الفطريّ, والجمال الطّبيعيّ والدّقّة في التّكوين, والبلاغة في التّعبير, ما لم تبلغه لغة من لغات البشر, سواء كانت آريّة, أم ساميّة, أم توراتيّة, قبل أن تُصقل الصّقل الصّناعي بالدّراسة والتّدريس والتّعليم والتّأليف, وباستعمال العمران, وما يستلزمه من صناعات واصطلاحات [2] .
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"العملاق بين أمسه ويومه", في الأزهر, 29 (ربيع الآخر, 1376 / نوفمبر, 1956) , 342 ـ 343.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"طريق الحقّ والخير ومعنى السّنّة في نظام الإسلام", في الفتح, 834 (جمادى الأولى, 1365) , 541.