فآداب مجتمعنا الإسلاميّ, برأيه, تحوّلت عن سنن الإسلام, لأنّنا انصرفنا عن هذه السّنن وعطّلناها ونسيناها, ثمّ ابتدعنا لمجتمعنا, في مئات السّنين الأخيرة, آدابًا وسننًا اقتبسناها من منافعنا الشّخصيّة, الّتي تُسمّى بلغة القرآن العاجلة, ولو كان نفعنا من الآجلة أضعاف أضعافها. ثمّ دهمنا الغرب بآدابه وسننه, فأخذها من أخذها منّا ممسوخة ممجوجة, وخالفها من خالفها منا بغباوة وسماجة, فانسلخت أمّتنا عن صبغتها وسجاياها ومقوّماتها, وأمست لا إلى هؤلاء, ولا إلى هؤلاء" [1] ."
آمن السّيّد محب الدّين بأنّ نهضة المسلمين لن تحصل إلّا إذا رجعوا إلى دينهم وفهموا رسالة الإسلام الّتي استمات في سبيلها الصّحابة الكرام - رضي الله عنه -. وكان يرى أنّنا لن نخرج من الهوّة الّتي سقطنا فيها إلّا إذا رجعنا إلى اللّه. والرّجوع إلى اللّه بمجاراة المعلوم من سننه في خلقه لا بمجرّد العلم بها والتّوفيق بينها وبين المصالح الخاصّة, لا بالإصرار على مصالح خاصّة تعارضها وتناقضها, وبالاستفادة من تلك السّنن بالبحث عن أسرارها ومجهولاتها, لا بالإعراض عنها, والتّعالي عما أودعه اللّه فيها, من نعمة وقوّة ومتعة صالحة, وتيسير لمطالب الحقّ والخير [2] .
وكتب قائلًا:"نكون أمّة صالحة يوم نلتفت ذات اليمين, فنرى لبلادنا جحافل من الجيوش المنظّمة مجهّزة بأحدث الأسلحة وأسرعها, مصنوعة بأيدينا, وفي مصانعنا, وتحت سماواتنا. ونلتفت إلى سواحلنا, فنرى لنا في مياهها أساطيل حربيّة وتجاريّة تملأ قلوب الأمم إيمانًا بصلاحنا, واستسلامًا لهيبتنا. ونلتفت على جماركنا, فنراها منهمكة بالتّصدير لا بالاستيراد. ونلتفت إلى جامعاتنا, فنراها تعمل على تكوين علماء عاملين في جميع ضروب المعرفة ونلتفت إلى ما أنعم اللّه به علينا, من تربة وأنهار وينابيع ومناجم ونقود ومتاع, فنشكره عليها بحسن استعمالها"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"العيد", في الفتح, 860 (شوّال, 1367) , 288.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"كن مع اللّه", في الفتح, 829 (شوّال, 1365) , 612.