وظلّ السّيّد محب الدّين يعلن دائمًا وبصوت عالٍ, أنّ سبب الانحطاط الّذي يعاني منه العرب والمسلمون, هو البعد عن الدّين. ويشعر من يقرأ كتاباته العديدة والكثيرة, أنّه بقي محافظًا على فهمه ونظرته للإسلام بالطّريقة الّتي بيّناها. وبقي داعيًا إلى العمل به وتطبيقه, وظلّ منبّهًا إلى أنّ سبب انحطاط المسلمين هو البعد عن الدّين. وقد جعل العلاج الدّائم لهذا الوجع العودة إلى دينهم, والأخذ بالصّالح من العلوم والمعارف من الأمم الأخرى الّتي سبقتنا, والعمل على تطويرها وتحسينها بما لا يتعارض مع ديننا, ويحافظ على هويّتنا ومليّتنا.
وكان يتألّم لحال المسلمين اليوم, فنجد الغصّة في قوله:"أرأيت هذا الانحطاط الّذي انحدر المسلمون إلى قراراته المحزنة؟ , أرأيت هذا الانحلال المخيف الّذي أُصيبت به القوميّة العربيّة في أخلاق بنيها ومواهبهم وقواهم؟. أرأيت هذا الذّلّ الّذي بسط على الشّرق ألف جناح وجناح, من خمول وفقر ورياء وحسد وكذب وكسل وشهوات, فحال ذلك بيننا وبين نور الهدى ونسيم الحياة؟ , إنّ هذا كلّه نتيجة لشيء واحد, وهو أنّ المسلمين استحدثوا للإسلام مدلولًا آخر غير المدلول الّذي بعث محمّد بن عبد اللّه - صلى الله عليه وسلم - , ليأخذ بيد هذه الأمّة إليه, ويحملها عليه" [1] .
لكن, وبالرّغم من هذا الألم, إلّا أنّ إيمانه لم يخبُ, وكان يعلن دائمًا:"أنا مؤمن من صميم قلبي أنّ رسالة العروبة والإسلام جديرة بأن تستقبل من مظاهر العظمة في تهذيب الإنسانيّة, أبهر وأزهر مما كان لها في الماضي. ولن تستوفي هذه الرّسالة مهمّتها إلّا بإرجاع الإنسانيّة كلّها إلى نظام الفطرة الطّاهرة. وذلك متوقّف على شيء واحد, وهو أن يعرف العرب والمسلمون من هم؟ , وممن هم؟ , وما رسالتهم في الحياة؟. ولن يكون ذلك إلّا إذا بنوا مناهج تعليمهم, وأسس ثقافتهم وأدبهم, على هذه"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"الإفتتاحيّة", في الزّهراء, 3 (رجب, 1345) , 417.