وخدمة الوطن لن تتمّ إلّا إذا عاد المسلمون إلى تراثهم وتاريخهم الّذي سوف يعيد إليهم هذا الشّعور وهذا الإحساس, وسيكون من خدمتهم لوطنهم أن يعيدوا هذه الكنوز الّتي كانت لهم في قديم الزّمان إلى الحياة. ويقصد بالكنوز أنظمة الإسلام وأحكامه وشرائعه والّتي أصبح العرب والمسلمون بها من أرقى الأمم, للعمل بها في حياتهم خدمة لأمّتهم ووطنهم. وكان يقول:"إنّ العالم الإسلاميّ يتحلل الآن من قيود الاستعمار البغيضة, وسبيله بعد ذلك أن يرجع إلى أنظمته شيئًا فشيئًا. والجهاد الأعظم بعد اليوم هو التّنقيب عن أنظمة الإسلام في تاريخه, ودواوين أحكامه, وفي وثائقه الأدبيّة, وتراثه العلمي, وذخائره التّهذيبيّة, ثمّ حمل الأمّة على إحياء هذه الأنظمة بالعمل بها يومًا فيومًا إلى أن يعود للإسلام جماله, فيراه النّاس في أخلاق بنيه وفي معاملاتهم, فيؤمنوا بأنّه هو النّظام الّذي تنشده الإنسانيّة وأنّه العلاج لجميع أوصابها, وأسباب ضعفها إنّ الجهاد الأعظم للشّباب المثقّف بعد الحرب الأخيرة هو في استخراج هذه الكنوز من نظام الإسلام, وإمداد الدّول الإسلاميّة بها, وحمل الأمّة على التّخلّق بهذه الهداية والتّعامل بأحكامها, ثمّ التّذرّع بأحدث أساليب التّعاون والمعرفة على إقامة حياة سعيدة هنيئة منتجة, تتقدّم بطبقات المسلمين في طريق الرّفاه والفلاح والقوّة" [1] . ولتحقيق هذه الغاية لابدّ أن يتعاون الجميع على عمل"جميع الأعمال المباحة, من تجاريّة, وصناعيّة, وزراعيّة, واجتماعيّة, وعسكريّة, وإنسانيّة, متى تبيّنت فائدتها للأفراد أو الجماعات أو الأمّة, فإنّ ذلك معدود من صميم الإيمان الإسلاميّ" [2] . فالتّعاون هو من مفاهيم الإسلام, الّتي إذا توسّعنا بها فإنّها السّبيل الّذي سينتشل هذه الأمّة من دركة الانحطاط إلى الحضارة والرّقيّ المطلوب. واستمرّ السّيّد محب الدّين الخطيب طيلة حياته يدعو أفراد الشّعب إلى خدمة الوطن. وعدّ هذا الأمر من صميم الإسلام, وأنّه واجب على الجميع, وإذا لم تتضافر الجهود مجتمعة على خدمة الوطن فإنّ هذا الوطن لن يتقدّم ولن يتطوّر.
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"نظام الإسلام", في الفتح, 832 (ربيع الأوّل, 1365) , 500 ـ 502.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"إيمان", في الأزهر, 25 (محرّم, 1373 / سبتمبر, 1956) , 7.