بمؤتمر الشّهداء, وذلك لأنّ معظم المشاركين فيه أُعدموا أو لُوحقوا من قبل السّلطات التّركيّة.
إنّ قيام هذا المؤتمر أثبت أنّ الجهود العربيّة قادرة إذا ما تضافرت أن تحقق نتائج هامّة, وتستطيع أن تُرغم الأعداء على الخضوع لطلباتهم. ولكنّ هذا المؤتمر لم يحظَ بالإجماع العربيّ ولقي انتقادات كثيرة, كحال أيّ عمل لا يمكن أن يحوز الإجماع العام, ولأنّ النّتائج الّتي أسفرت عنه كانت خطيرة, حيث أنّ معظم المشاركين فيه قد صدرت بحقّهم أحكام الإعدام كما ذكرنا, وأدّى بطبيعة الحال إلى قيام الثّورة العربيّة الكبرى وانفصال العرب عن التّرك. نأخذ على ذلك مثلًا السّيّد شكيب أرسلان, وهو من الّذين عاشوا في تلك الفترة, وكان يمثّل التّيار المتمسّك ببقاء الخلافة العثمانيّة, ويعارض الانفصال, فقد اعتبر أنّ الّذين شاركوا في هذا المؤتمر لا يمثّلون الأمّة العربيّة, بل كان لكلّ واحد منهم هدف وغاية تختلف عن هدف وغاية غيره من المشاركين, فقال:"إنّهم تداعوا إلى هذا المؤتمر في باريز من جهات مختلفة, فمنهم طلبة علم في باريز صادقون في سعيهم, خالون من المآرب السّياسيّة, يريدون الإلحاح على الدّولة في تطبيق الإصلاح حبًّا بالوطن. ومنهم ناقمون على الدّولة إقفال نادي الإصلاح في بيروت. ومنهم دعاة افتراق وانفصال لا غير. ومنهم من همّه دريهمات يأخذها في هذا السّبيل مهما كانت النّتيجة. ولكنّهم جميعًا غير مفوّضين عن الأمّة العربيّة, ولا حقّ لهم في الكلام باسم الأمّة" [1] .
ووُجد بالمقابل فريق آخر شجّع قيام هذا المؤتمر, واعتبره هامًّا جدًّا. ومنهم السّيّد محب الدّين الّذي اعتبر أنّ المؤتمر قد نجح, بالرّغم من كلّ الانتقادات الّتي تعرّض لها, فقال:"إنّ فكرة المؤتمر نجحت نجاحًا بيّنًا, وأنّ المؤتمر لم يخرج عن الخطّة الّتي رُسمت له, من طلب الحياة للولايات العربيّة حتّى تحيا الدّولة بذلك وتقوى. ومع أنّه أوّل مؤتمر قام به العرب العثمانيون انتجاعًا للحياة, وتذرّعًا للبقاء,"
(1) ـ أرسلان, شكيب, تاريخ الدّولة العثمانيّة, تحقيق حسن السّماحي سويدان, دمشق, وبيروت, دار ابن كثير, ودار التّربية, 1422/ 2001, 597 ـ 598.