شاء اللّه له من توفيق, وفي خلال ذلك كانت نواة الإخوان المسلمين قد غُرست في الأرض الصّالحة" [1] ."
ساند السّيّد محب الدّين هذا الحزب, وكان معجبًا إعجابًا كبيرًا بمؤسّسه الشّيخ حسن البنّا, وكان يعتبره من خيرة الشّباب الإسلاميّ في ذلك الوقت, كما مرّ في حديثه السّابق, وكما جاء أيضًا في قوله:"هذا الدّاعية, القوّي, الصّابر, المثابر, الّذي يعطي الدّعوة من ذات نفسه ما هي بحاجة إليه, من قوّة, ومرونة, ولين, وجلد, وصبر, وثبات إلى النّهاية" [2] . لذلك فقد كان السّيّد محب الدّين أوّل من نشر مقالات حسن البنّا, وذلك عندما نشر له مقالة في الفتح بعنوان"الدّعوة إلى اللّه"وذلك في نهاية سنتها الثّانية, ومقالة أخرى في بداية السّنة الثّالثة من الفتح, وكانت بعنوان"على من تجب الدّعوة", وتوالت فيما بعد المقالات الّتي قام السّيّد محب الدّين بنشرها لهذا الدّاعية.
وعندما أسس الإخوان المسلمون جريدة باسم حزبهم, اختاروا السّيّد محب الدّين ليتولّى رئاسة تحريرها, وقام بهذه المهمّة كما يجب, وتولّى رئاسة تحرير هذه الجريدة منذ صدور عددها الأوّل في 21 صفر 1352 الموافق 15 حزيران 1933 إلى نهاية سنتها الثّالثة.
لقد ساند السّيّد محب الدّين هذا الحزب, ولكن لا يمكن لنا أن نؤكّد أنّه كان من المنتسبين إليه, فعندما اختير لرئاسة تحرير الجريدة, لم يتمّ اختياره على أساس أنّه من أعضاء الحزب, ولكن للاستفادة من خبرته الصّحفيّة, ولإخلاصه في العمل. وقد قَبل هو ذلك, لاعتقاده بأنّه بذلك يخدم الإسلام والمسلمين, وذلك بدعمه لحزب يحمل إسم الإخوان المسلمين, ويعلن في تأسيسه على أنّ هذا الحزب وهذه الدّعوة هي"دعوة سلفيّة, وطريقة سنّيّة, وحقيقة صوفيّة, وهيئة سياسيّة, وجماعة رياضيّة, ورابطة علميّة ثقافيّة, وشركة اقتصاديّة, وفكرة اجتماعيّة" [3] . فحزب هذه أهدافه أو شعاراته, لابدّ أن يقف معه السّيّد محب الدّين ويسانده.
إلّا أنّنا نجد في مقال في الفتح, ذكر للسّيّد محب الدّين على أنّه من المنتسبين إلى حزب الإخوان, جاء في مقال نشره السّيّد محب الدّين قوله:"أشارت الإخوان المسلمون اليوميّة, صباح 12 رجب, في صدر وصفها لهذا الحادث التّاريخيّ العظيم, [وهذا الحادث هو اعتصام القائد محمّد عبد الكريم الخطّابي[4] في مصر], إلى صلة قديمة, ورسائل عظيمة كانت ترد من الأمير المجاهد وهو في جزيرة ريئونيون [وهي جزيرة في المحيط الهندي تقع شرقي مدغشقر] , إلى جهة إسلاميّة إخوانيّة في مصر. وقد آن لنا أن نوضّح بعض ذلك فيما يلي: فالرّسائل والصّلة اللّتان أشارت إليهما الإخوان المسلمون, إنما كانتا مع محرّر الفتح [محب الدّين الخطيب] " [5] . فهذا المقال يصف السّيّد محب الدّين بأنّه شخصيّة إخوانيّة, أي أنّه كان من أعضاء هذا الحزب, وفي الحقيقة لم أستطع التّأكّد من ذلك, وعندما سألت أقارب السّيّد محب الدّين عن ذلك لم أجد إجابة واضحة عن الموضوع. وسواء كان السّيّد محب الدّين من المنتسبين إلى حزب الإخوان المسلمين, أم لم يكن كذلك, فإنّ هذا لم يكن ليمنعه من توجيه بعض الانتقادات لبعض مواقف هذا الحزب, من مثل نقده لدعم حزب الإخوان لقضيّة التّقريب بين المذاهب الإسلاميّة من سنّة وشيعة, حيث قال:"إذا وضعوا"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"ذكريات شاهد عيان", في الفتح, 861 (ذو القعدة, 1367) , 265.
(2) ـ المصدر نفسه, 265.
(3) ـ شرف الدّين, رسلان,"الدّين والأحزاب الدّينيّة العربيّة", في الوحدة, 96 (أيلول 1992/ ربيع الأوّل 1413) , 63.
(4) ـ عبد الكريم الخطّابي, من بلاد الرّيف في المغرب الأقصى وُلد عام 1300/ 1882, تلقّى دراسته بجامعة القيروان, سجن في مليلة, وتزعّم قبيلته وحمل راية الجهاد, قاتل الإسبان وهزمهم في عدة معارك, ولكنّه اضطر إلى التسليم بعد تكاثر الأعداء عليه, نُفي إلى جزيرة رئيونيون, وقضى فيها إحدى وعشرين سنة, استطاع الفرار إلى مصر, وهناك أسس لجنة تحرير المغرب العربي بعد حصوله على اللجوء السياسيّ في مصر, استمرّ في نشاطه حتّى وفاته عام 1383/ 1963 في القاهرة؛ انظر, العقيل, عبد الله, من أعلام الحركة والدّعوة الإسلاميّة المعاصرة, 605.
(5) ـ الخطيب, محب الدّين,"اعتصام القائد الأعظم محمّد عبد الكريم الخطابي", في الفتح, 845 (رجب, 1366) , 771.