والمقصود بمفهوم التّغريب هو ما تبنّاه كثير من المفكّرين في تلك الأيام, وهو الدّعوة إلى الأخذ عن الغرب, ومحاولة تقليده في شتّى الأمور من أجل التّطوّر والتّقدّم. واعتبر بعضهم أنّ هذا المفهوم هو الظّاهر للتّغريب فقط, وأوجدوا لهذا المفهوم تعريفًا آخر, أظهروا فيه غاية وأهداف هذا التّيّار, في دعوته للأخذ عن الغرب. فقد عرّف بعضهم هذا التّيّار بأنّه تيّار يرمي إلى"خلق عقليّة جديدة تعتمد على تصوّرات الفكر الغربيّ ومقاييسه ثمّ تحاكم الفكر الإسلاميّ والمجتمع الإسلاميّ من خلالها, بهدف سيادة الحضارة الغربيّة, وتسييدها على حضارات الأمم, ولا سيّما الحضارة الإسلاميّة" [1] . وبعضهم قال إنّ التّغريب هو المذهب الّذي كان يدعو إلى الجديد, وهو"كلّ طريف طارئ علينا, مما هو منقول في معظم الأحيان عن الأوروبيّين" [2] .
ويمكن أن نقول: إنّ التّغريب هو التّيّار الّذي ظهر نتيجة ظروف معيّنة حلّت بالأمّة العربيّة والإسلاميّة, وكان هذا التّيّار يدعو إلى الأخذ عن الغرب في كلّ المجالات, بهدف التّطوّر والتّقدّم. ولكنّ الدّاعين إلى هذا التّيّار والمدافعين عنه, تطرّفوا في آرائهم, لدرجة رفضهم وتبرّئهم من كلّ ما يمتّ إلى القديم بصلة من قريب أو بعيد, من دين, وتقاليد, وموروثات, وحضارة, ولغة, وأيّ شيء يتعلّق بهذا الماضي. فهؤلاء تصوّروا أنّ التّقدّم والتّطوّر لا يأتي إلّا بترك الماضي وما فيه من خير وشرّ, والأخذ عن الغرب بكلّ ما فيه من خير وشرّ. لذلك نرى أنّ هؤلاء وقعوا في تناقض عجيب حيث كانوا ينتقدون التّقليد واتّباع القديم, وكانوا بنفس الوقت يقلّدون الغرب"فالجديد هو في حقيقة الأمر قديم الأوروبيّين, والّذين يسمّونهم المقلّدين كانوا هم الّذين يقلّدون آباءهم وأجدادهم, في حين أنّ من يُسّمون بالمجددين كانوا هم الّذين يقلّدون الأوروبيّين" [3] .
(1) ـ الجندي, أنور, شبهات التّغريب في غزو الفكر الإسلاميّ, بيروت ودمشق, المكتب الإسلاميّ, 1398/ 1978, 13.
(2) ـ حسين, محمّد محمّد, الاتجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر, 190.
(3) ـ حسين, محمّد محمّد, الاتجاهات الوطنيّة في الأدب المعاصر, 209.