دون التّخلّي عن دينه. إذ أنّهما كانا يؤمنان بأنّ الإسلام هو الدّين الّذي يجب أن يحكم بلاد الإسلام, ولكن لا مانع من الأخذ عن الغرب بما يلزم من أجل التّطوّر والتّقدّم."وانطوى تفكير محمّد عبده على توتّر دائم بين أمرين, لا يمكن فهم أحدهما فهمًا تامًّا بالاستناد إلى الآخر ولكن لكلّ منهما مطلب خاصّ به لا مفرّ منه: الإسلام الّذي يذهب إلى أنّه يعبّر عن مشيئة اللّه في باب قواعد سلوك الإنسان في المجتمع, وحركة المدنيّة الحديثة الّتي لا مردّ لها, المنطلقة من أوروبّا, والآخذة الآن في الإنتشار عالميًّا, والّتي تفرض على الإنسان بطبيعة مؤسساتها, تصرّفًا معيّنًا. وكان هدف محمّد عبده أن يبرهن بشرحه ما الإسلام الحقيقي, أنّ المطلبين غير متناقضين إلّا أنّه لم يعتقد يومًا أنّ بين الإثنين توافقًا مطلقًا, أي أنّ الإسلام يرضى عن كلّ ما يرضى عنه العالم الحديث, بل كان يعلم بوضوح لأيّ منهما الأوّلويّة عند نشوء خلاف حقيقيّ بينهما" [1] .
ولكنّ محمّد عبده فتح الباب لغيره من المفكّرين الّذين انطلقوا من مدرسته, وتأثّروا بأفكاره, وأخذوا يفكّرون بطريقته. فقد كان معظم رموز التّغريب الّذين جاءوا فيما بعد هم من تلاميذه, أو من مرافقيه ومريديه, ونذكر منهم: أحمد لطفي السّيّد [2] , والّذي يعتبره كثيرون حامل لواء التّغريب في مصر, والدّاعي إلى القوميّة المصريّة. وقاسم أمين [3] الّذي يُعتبر رائد تحرير المرأة في العصر الحديث والدّاعي إلى إعطاءها حقوقها ومشاركتها في الحياة العامّة, وسعد زغلول [4] زعيم التّجديد والتّحرر في مصر, المناضل المعروف. وغيرهم من المفكّرين والمثقّفين, الّذين كانوا على صلة وثيقة بالشّيخ محمّد عبده.
وبالرّغم من ذلك لا يمكن اعتبار الشّيخ محمّد عبده من التّغريبيين الّذين دعوا إلى الأخذ عن الغرب دون ضوابط, بل إنّ الدّارس لسيرة الشّيخ محمّد عبده يجد أنّه كان يدعو إلى الأخذ عن الغرب بما يناسب وضعنا ولا يتناقض مع ديننا, بعكس ما وصل إليه تلاميذه من التّغريبيين فيما بعد.
ولا نغفل أسماء أخرى, يعدّ أصحابها من أكبر دعاة التغريب, وكان لهؤلاء أثرهم الكبير في الحياة العامّة في مصر, من خلال ما كتبوه من كتب ومقالات تدعو إلى الأخذ عن الغرب, وتهاجم موروثات وأساسيات مهمّة في بلاد العرب, وقد تجاوزت شهرتهم مصر إلى جميع البلاد العربية, نذكر منهم: طه حسين [5] , وشبلي شميّل, وسلامة موسى, وعلي عبد الرّازق [6] , ومحمود عزمي [7] , ومنصور فهمي [8] ,
(1) ـ حوراني, ألبرت, الفكر العربيّ في عصر النّهضة, ترجمة كريم عزقول, 198.
(2) ـ أحمد لطفي السّيّد, باحث, وُلد في قرية برقين بمركز السّنبلاويين بمصر سنة 1288/ 1870 م, وتخرّج بمدرسة الحقوق بالقاهرة, شارك في حزب الأمّة, وحرر في صحيفة الجريدة, عُين مديرًا لدار الكتب المصريّة, ومديرًا للجامعة المصريّة, ووزيرًا للمعارف والدّاخليّة والخارجيّة, من آثاره: صفحات مطويات من تاريخ الحركة الاستقلاليّة, وتأملات في الفلسفة والسّياسة والإجتماع, توفّي سنة 1382/ 1963؛ انظر, كحّالة, عمر رضا, المستدرك على معجم المؤلّفين, 84؛ ونجيب, مصطفى, أعلام مصر في القرن العشرين, 111.
(3) ـ قاسم أمين, وُلد في الإسكندريّة, سنة 1863 م, لأب تركيّ وأمّ مصريّة, درس الحقوق والإدارة وحصل على اللّيسانس بالحقوق, عمل بالمحاماة, ثمّ سافر في بعثة دراسيّة إلى فرنسا, وبقي فيها أربع سنوات, ثمّ عاد إلى مصر فعيّن بالقضاء, وتنقّل فيه في مناصب كثيرة. كتب في المؤيّد, وأصدر كتاب المصريون, وتحرير المرأة, والمرأة الجديدة, توفّي فجأة في 23 نيسان عام 1908 م؛ انظر, عمارة, محمّد, قاسم أمين, بيروت, دار الوحدة, 1985 م, 15؛ وكحّالة, عمر رضا, معجم المؤلّفين, 8, 114؛ وكرد علي, محمّد, المعاصرون, 290.
(4) ـ سعد زغلول, زعيم مصر السّياسي, وُلد في أبيانة من قرى الغربيّة في مصر عام 1273/ 1857 م تعلّم في الأزهر واشتغل في جريدة الوقائع المصريّة, اشترك في الثّورة العرابيّة, حصل على إجازة الحقوق واشتغل بالمحاماة, تولّى وزارة المعارف والحقانيّة, اُنتخب رئيسًا للوفد المصري المطالب بالاستقلال, نُفي إلى جزر سيشل عام 1922 م, توفّي في القاهرة عام 1346/ 1927 م؛ انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 3, 83؛ وكحّالة, عمر رضا, معجم المؤلّفين, 4, 209.
(5) ـ طه حسين, وُلد في مصر عام 1889 م في محافظة المنيا بصعيد مصر, درس في الأزهر ثمّ في الجامعة المصريّة, ونال الدّكتوراة من جامعة السّوربون. عُيّن عميدًا لكليّة الآداب بجامعة القاهرة, ومديرًا لجامعة الإسكندريّة, ووزيرًا للمعارف, أسس مجلّة الكاتب المصري, له مؤلّفات منها الشّعر الجاهلي, وعلى هامش السّيرة, وغيرها كثير, توفّي في عام 1973 م؛ انظر, اليسوعي, روبرت ب ـ كامبل, أعلام الأدب العربيّ المعاصر, بيروت, مركز الدّراسات للعالم العربيّ المعاصر, 1, 485؛ ونجيب, مصطفى, أعلام مصر في القرن العشرين, 282؛ وفلسطين, وديع, وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره, 1, 298.
(6) ـ علي عبد الرّازق, وُلد عام 1888 م بأبي جرج في محافظة المنيا, درس في الأزهر, سافر إلى انجلترا ودرس في اكسفورد علمي الاقتصاد والاجتماع مدّة ثلاث سنوات, اضطرّته بعدها الحرب إلى العودة إلى مصر قبل انهاء الدّراسة, عُيّن قاضيًا بالمحاكم الشّرعيّة في المنصورة. شارك في اصدار صحيفة السّفور, له مؤلّف مشهور هو الخلافة وأصول الحكم, الّذي أثار ضجّة كبيرة, توفّي سنة 1966 م؛ انظر, نجيب, مصطفى, أعلام مصر في القرن العشرين, 342؛ وسمعان, كامل, علي عبد الرّازق, القاهرة, الدّار المصريّة اللّبنانيّة, 1419/ 1998, 10.
(7) ـ محمود عزمي, كاتب مصريّ وُلد في منيا القمح عام 1306/ 1889 م, تعلّم بمصر وباريس, أنشأ جريدة الاستقلال, ومجلّة الجديد, عُيّن عميدًا لكليّة الحقوق ببغداد, ثمّ عاد إلى القاهرة, توفّي فجأة وهو يخطب في مجلس الأمن عام 1374/ 1954, له من المؤلّفات منها: ملخّص مبادئ الصّحافة العامّة؛ انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 7, 177؛ وكحّالة, عمر رضا, معجم المؤلّفين, 12, 179.
(8) ـ منصور فهمي, مفكّر مصريّ أصله من المغرب العربيّ, وُلد في مصر عام 1303/ 1886 م, تعلّم بالقاهرة, ودرس الفلسفة في باريس, أصبح عميدًا لكليّة الآداب ومديرًا لدار الكتب المصريّة, له من المؤلّفات محاضرات عن مي زيادة, توفّي في القاهرة عام 1378/ 1959. انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 7, 302؛ وكحّالة, عمر رضا, معجم المؤلّفين, 13, 16.