يجب أن نصل إليها, ويجب أن نحتفظ بكياننا القوميّ والوطنيّ والدّينيّ, وهذا مبدأٌ يجب أن نقطع اليد الّتي تحاول قطع ما بيننا وبينه. فالخطّة الّتي يجب أن نرسمها بين هذا المبدأ, وتلك الغاية هي أن نأخذ من كلّ مكان ما نحن في حاجة إليه من أسباب القوّة, وأن نحتفظ بكلّ ما في كياننا القوميّ والوطنيّ والدّينيّ, مما لا يعدّ من عوامل الذّلّ, وبواعث الوهن" [1] ."
هكذا حدّد السّيّد محب الدّين ما يمكن قبوله من الغرب وما يمكن رفضه, فهو يريد أن نستفيد من أسباب القوّة الموجودة عند الأمم القوّيّة, فنستفيد من العلوم والاختراعات ونطوّرها حتّى تكون لنا صناعاتنا الخاصّة واختراعاتنا الخاصّة, وأن نبتعد عن كلّ ما يُخرجنا عن كياننا القوميّ والوطنيّ والدّينيّ, فتبقى لنا شخصيّتنا الخاصّة, الّتي تميّزنا عن غيرنا من الشّعوب والأمم الأخرى. وكان يعلن عن هذا بقوله:"التّجدد الّذي نبقى معه مسلمين حقًّا .... , التّجدد الّذي ينمّي في نفوسنا فضيلة الوفاء لأجدادنا ... التّجدد الّذي يزيدنا قوّة وثروة ومنعة, ويرفع عنّا ذلّة الخنوع لنير الأجانب ونزعاتهم ونزغاتهم, فذلك التّجدد نحن دعاته, والمرحّبون به, والحاضّون عليه" [2] . وقدحارب السّيّد محب الدّين كلّ الدّعوات الّتي تتنافى مع إيمانه هذا, فنراه يقول:"في مصر دعاية إلى شيءٍ يسمّونه أدبًا مصريًّا, وتحت هذه الدّعاية مقاومة لشيء يسمّونه أدبًا عربيًّا, ونحن إذا تجاوزنا عن المآرب المستترة تحت الدّعاية الظّاهرة, لا نكاد نتصوّر تنافيًا, بل ولا تعارضًا بين أن يكون لمصر أدب مصريّ, وبين أن يكون لمصر مع سائر الشّعوب العربيّة أدب عربيّ" [3] .
وكان لموضوع الأدب واللّغة العربيّة والدّفاع عنهما ضدّ المشكّكين, والدّاعين إلى تفريق وحدة العرب عن طريق هدم أهمّ رابطة تؤلّف بينهم, وهي اللّغة العربيّة,
(1) ـ المصدر نفسه, نفس الصّفحة.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"محافظون", في الزّهراء, 3 (محرّم, 1345) , 5.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"الاتجاهات في الأدب العربيّ اليوم", في الزّهراء, 4 (ذوالحجّة, 1346) , 580.