وقد عُنيت الدّولة بإقامة المساجد والكتاتيب الّتي تعلّم الدّين الإسلاميّ, ووقفت لها الأوقاف الكثيرة وأنفقت عليها بسخاء.
وكان مذهب الدّولة العثمانيّة هو المذهب السّنيّ، وعُرف عنها أنها شجعت التّصوّف والصّوفيّة تشجيعًا كبيرًا"حتّى أنّ عددًا من العلماء أنفسهم انخرط في الفرق الصّوفيّة العديدة، واختلط الأمر على أفراد الشّعب فأخذت مختلف طبقات المجتمع الإسلاميّ تنتمي هي الأخرى إلى تلك الفرق، وغدا للتّصوّف مراكز دائمة, ونشاط مستمرّ، وأصبح من الطّبيعيّ جدًّا, بالنّسبة لذاك العصر, أن يربط كلّ فرد نفسه بطريقة من الطّرق" [1] .
وانتشرت الخرافات والخزعبلات، ودخلت مفاهيم غاية في السّذاجة، واعتقد النّاس أنّها من الدّين, فقامت في مقابل ذلك حركات تدعو إلى"الإصلاح الدّيني، والرّجوع بالشّريعة إلى أصولها وقواعدها، وإزالة ما أُدخل عليها في عهود الظّلام والانحطاط من بدع وأكاذيب, مناهضة للعقل, مناقضة للإسلام" [2] .
وتوسّع هذا الإصلاح ودعا"إلى مواجهة التّحديات الغربيّة للمسلمين بالعودة إلى مصادر الشّريعة الأصيلة, من قرآن وسنّة, وإلى إحياء الإسلام فكريًّا وسياسيًّا, ونبذ الجهل والجمود والتّزمّت" [3] .
وكان لظهور الشّيخ جمال الدّين الأفغاني [4] أكبر الأثر في هذه الدّعوة, وكان همّ هذا الشّيخ الجليل"أن يغيّر المسلمون ما بأنفسهم من رثاثة تقاليد, وغثاثة أخلاق"
(1) ـ المصدر نفسه, 212.
(2) ـ قلعجي, قدري, الثّورة العربيّة الكبرى, 9.
(3) ـ طربين, أحمد, تاريخ المشرق العربيّ المعاصر, 373.
(4) ـ جمال الدّين الأفغاني, اسمه محمّد بن صفدر, أُختلف في مكان ولادته, فبعضهم قال أنّه وُلد في أسعد آباد على مقربة من كابل, وقد ذكر آخرون أنّه وُلد في إيران, عام 1254/ 1838. نشأ نشأة علميّة, وكان يعرف لغات متعدّدة منها الأفغانيّة والفارسيّة والعربيّة والتّركيّة والفرنسيّة ويلمّ بالإنكليزيّة والرّوسيّة. جال في العالم الإسلاميّ محاولًا النّهوض بالمسلمين, ومحاربًا الاستبداد. أصدر جريدة العروة الوثقى سنة 1301/ 1884 وكان مضرب المثل في الجرأة والشّجاعة, وله مؤلفّات منها: الرّد على الدّهريين, و تتمة البيان في تاريخ الأفغان, وغيرها, توفّي في 1314/ 1897؛ انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 6, 168؛ والمغربي, عبد القادر, جمال الدّين الأفغاني, القاهرة, دار المعارف, ط 3, د. ت, 9 وما بعدها.