وهكذا نرى أنّ السّيّد محب الدّين عاش في عصر كثير الاضطراب، يطغى التّخلّف فيه على شتّى مناحي الحياة. فقد كانت الحياة السّياسيّة مضطربة كثيرة الحروب, مما أسفر عن فقدان الأمن والاستقرار. وكان لسقوط الدّولة العثمانيّة، ووقوع البلاد العربيّة تحت سيطرة الأوروبيّين، الأثر البالغ في التّغيير الّذي طرأ على بنية المجتمع العربيّ, وقد أدخل الأوروبيّون إلى هذه البلاد أفكارًا كثيرة, وعادات غريبة لم تكن معروفة فيها من قبل، وفتح عيون العرب على الحضارة الغربيّة، واستخدم أساليب كثيرة للسّيطرة على هذه الشّعوب، وعلى خيرات هذه البلاد, فكان العرب أشبه بنائم مستغرق في نوم عميق وفجأة ... أيقظه ضجيج قوي، فقام مذعورًا لا يعرف أين هو وماذا حصل، فهو يحتاج إلى وقت حتّى يستطيع أن يستوعب ما جرى.
هذا الاضطراب السّياسي انعكس على كلّ المجالات الأخرى الاجتماعيّة, والاقتصاديّة، والثّّّّّّّقافيّة، فكان له تأثير كبير في حياة السّيّد محب الدّين، وفي صوغ أفكاره، وفي طروحاته الّتي قدّمها، والّتي حاول من خلالها أن يقدّم ولو شيئًا صغيرًا لأمّته من إصلاحات كان يراها ضروريّة للنّهوض بهذه الأمّة، لتعود كسابق عهدها أمّة وسطًا بين النّاس، تتبوّأ مركز الصّدارة والرّيادة بين جميع الأمم.