لذلك فقد تأثّر السّيّد محب الدّين بالشّيخ أحمد النّويلاتي، ودخل حُبّ العربيّة إلى قلبه، فقرأ على الشّيخ أحمد شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك في النّحو, وحفظ بتلقينه مقامات من كتاب أطواق الذّهب لأبي قاسم الزّمخشريّ. ولمّا كان الشّيخ النّويلاتي قد أتقن قراءة القرآن بدمشق فقد استفاد منه السّيّد محب الدّين جودة النّطق بالحروف العربيّة من مخارجها الأصليّة [1] .
وقد تعلّم من الشّيخ أيضًا حبّ العلم والزّهد، فالشّيخ أحمد كان زاهدًا, محبًّا للعلم، وكان مدرّسًا في المدارس الحكوميّة حتّى بلغ السّنّ القانونيّ, ولكنّه بعد خروجه على المعاش لم يترك التّدريس, فقد تولّى الخطابة والتّدريس في الجامع الأمويّ, وحاول أن يبسّط أساليب التّدريس على العامّة, فهبط إلى مستواهم, وأفاد منه النّاس إفادة عظيمة, وهذا الأسلوب ساهم في تعليم العامّة كثيرًا من أمور دينهم الّتي لم يكونوا يعرفونها, وجعل للشّيخ سمعة طيّبة بين النّاس [2] .
ويمكن أن نعدّ الشّيخ أحمد من أتباع مدرسة الشّيخ طاهر الجزائري, إذا صحّ التّعبير, فقدكان يهاجم الخرافات الدّخيلة على الدّين, وكان ينتقد العلماء الّذين يتملّقون الحكّام. وقد عاش حياته منقطعًا عن الزّيارات ومعتزلًا للنّاس, وكان يشبه في معيشته ونظافة غرفته، وانقطاعه عن النّاس والأهل والولد, حيث إنّه ظلّ عازفًا عن الزّواج حتّى تعدّى الخمسين من عمره, بما كان يُذكر عن الزّهاد القدماء الّذين يبتغون بزهدهم مرضاة اللّه سبحانه [3] . هذا الشّيخ الجليل الّذي وهب حياته للعلم, ولم يكن يهتمّ بالجاه أو المنصب, بل كان جلّ همّه نشر العلم بين النّاس, علّم السّيّد محب الدّين, وقد تأثّر به, وأخذ عنه حبّ العلم, والعمل لخدمة النّاس.
الشّيخ طاهر الجزائري:
(1) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه, 9.
(2) ـ الحافظ, محمّد مطيع, وأباظة, نزار, تاريخ علماء دمشق في القرن الرّابع عشر الهجري, 1, 512.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين, حياته بقلمه,10.