أمّا الرّجل الّذي يعدّ الأستاذ الأوّل والأهمّ للسّيد محب الدّين فهو الشّيخ طاهر الجزائري. الّذي سماه السّيّد محب الدّين بالأبّ الرّوحيّ, وكان يردد:"من هذا الشّيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي، منه عرفت أنّ المعدن الصّدئ الآن الّذي برأ اللّه منه في الدّهر الأوّل أصول العروبة، ثمّ تخيّرها ظئرًا للإسلام, إنّما هو معدن كريم, لم يبرأ اللّه أمّة في الأرض تدانيه في أصالته" [1] .
وكان يعتبر أنّ الله قد أنعم عليه لتعرّفه على الشّيخ طاهر, لأنّه عرف طريقه بتوجيهه، ونظر إلى أهدافه بعينيه، وحرر رسالته في الحياة بالذّوق والمشرب اللّذين اقتبسهما منه [2] . وكان يقول:"هو الّذي ربّى عقلي, وهو الّذي حبب إليّ هذا الاتجاه الفكريّ, منذ كنت طفلًا إلى أن صرت رجلًا. ولا أعرف مؤلّفًا ولا حامل قلم, نشأ في ديار الشّام إلّا وقد كانت له صلة بهذا المربّي الأعظم, واستفادة من عقله وسعة فضله, وأنا وكلّ ما نشرته لسنا إلّا قطرة من بحر الخير الّذي كان يتدفّق من صدر هذا العالم العامل, الّذي كانت الدّنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة, وليس له فيها أمنية, إلّا أن يرى عزّ الإسلام يعود كما كان في أيّام القوّة والعدل والعلم وتقوى اللّه عزّ وجلّ" [3] .
بدأت علاقة السّيّد محب الدّين مع الشّيخ طاهر منذ الصّغر، عندما عيّنه مكان والده في دار الكتب الظّاهريّة, وأصبح يختار له من مخطوطات دار الكتب مما ألّفه أعلام الإسلام، ويكلّفه نسخها، لتتوسّع ثقافته الإسلاميّة، ويشغل وقته بعمل علميّ
(1) ـ محرّم, أحمد, ديوان مجد الإسلام, القاهرة, دار العروبة, 1383/ 1963, المقدّمة بقلم السّيّد محب الدّين الخطيب, 6.
(2) ـ برج, محمّد عبد الرّحمن, محب الدّين الخطيب ودوره في الحركة العربيّة, القاهرة, الهيئة المصريّة العامّة للكتاب, 1410/ 1990, عن مخطوط بعنوان الجيل الّذي عاصر بعث العروبة بقلم السّيّد محب الدّين, 17.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"شيخي", في الفتح, 551 (ربيع الأوّل , 1356) , 8.