لقد عاش الشّيخ طاهر في حقبة مظلمة من تاريخ البلاد العربيّة عامّة، وبلاد الشّام ودمشق خاصّة، وقد عُيّن في زمن الدّولة العثمانيّة مفتّشًا على المدارس الابتدائيّة، فسعى لزيادة عددها, ورفع كفاءة معلّميها, من خلال تلقينهم أصول التّدريس والتّربية. وعمل على إنشاء دار الكتب الظّاهريّة في دمشق, والمكتبة الخالديّة في القدس [1] ، بالإضافة إلى أنّه كان دائم السّعي في طلب العلم. وقد صادق نخبة من طلاّب العلم ونوابغ الشّباب, فكان له أكبر الأثر فيهم, وكان على رأسهم السّيّد محب الدّين, حيث فتح عينيه على أمجاد العرب وماضيهم الزّاهر، وأدخل إلى نفسه حبّهم والاعتزاز بهم، وجعله يؤمن بحقّ الشّعوب في أن تعيش بكرامتها, وصبغه بصبغة التّسامح وحبّ الآخرين، والانكباب على العلم والدّرس، والتّضحية في سبيل ذلك, وعدم الاهتمام بالدّنيا وزخرفها [2] .
وقد ظلّ السّيّد محب الدّين مخلصًا للشّيخ طاهر, ومحبًّا ومحترمًا له طوال حياته, وكان ذكره في صغره بأبيات بسيطة, لكنّها تعبّر عن إعجاب كبير, قائلًا:
بين فوديه [3] للمدارك عشٌّ
صمته إفهام
وبماضيه للحقائق نقشٌ
(1) ـ المكتبة الخالديّة, أوقفها الحاج راغب الخالدي سنة 1900 م، إنفاذًا لوصية والدته، وبمعونة ومشورة الشّيخ طاهر الجزائري, والشّيخ ابن الحبال الدّمشقي، فوضعا فهرسًا بأسماء كتبها. تحتوي المكتبة على عشرة آلاف كتاب ثلثاها مخطوط، والثلث من نوادر المطبوعات القديمة في العلوم العربية والإسلامية. وضمّت إليها خزانتا الشّيخ يوسف ضياء باشا الخالدي، ومحمّد روحي الخالدي، وضمّت إليها لاحقًا خزانة الشّيخ أحمد بدوي الخالدي، بالإضافة إلى ما أهدي إليها من نفائس مطبوعات المستشرقين؛ انظر, خنيسة, نافذ, بيت المقدس, المركز الفلسطيني للإعلام, كتب وإصدارات, www.palestine-info.info.
(2) ـ الخطيب, عدنان, الشّيخ طاهر الجزائري، رائد النّهضة العلميّة في بلاد الشّام وأعلام من خرّيجي مدرسته, القاهرة, معهد البحوث والدّراسات العربيّة, في جامعة الدّول العربيّة, قسم البحوث والدّراسات الأدبيّة واللّغويّة, 1391/ 1971, 23.
(3) ـ فوديه: فَوْدُ الرأسِ: جانباه. يقال: بدا الشيبُ بفَوْدَيْهِ