فهرس الكتاب
غير ذلك الزمان والمكان، والواقع شاهدٌ بذلك، فهذا لفظ السراح لا يكاد أحدٌ يستعمله في الطلاق، لا صريحًا ولا كناية، فلا يسوغ أن يقال: إن من تكلم به لزمه طلاق امرأته نواه أو لم ينوه، ويدعي أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال، فإن هذه دعوة باطلة شرعًا واستعمالًا؛ أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به ألبتة، وأما الشرع فقد استعمله في غير الطلاق، كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [1] ، فهذا السراح غير الطلاق قطعًا، وكذلك الفراق استعمله الشرع في غير الطلاق كقوله تعالى:: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} إلى قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [2] فالإمساك هنا الرجعة، والمفارقة ترك الرجعة لا إنشاء طلقة ثانية، هذا مما لا خلاف فيه ألبتة، فلا يجوز أن يقال: إن من تكلم به طلقت زوجته فهم معناه أو لم يفهم، وكلاهما في البطلان سواء، وبالله التوفيق" [3] ."
التعليق والإيضاح:
يبين الإمام ابن القيم -رحمه الله- أن العرف والقصد له تأثير في وقوع الطلاق وعدم وقوعه، وقد قسم العلماء الألفاظ التي يقع بها الطلاق إلى قسمين: صريح وكناية، والفرق بينهما أن اللفظ الصريح يقع به الطلاق ولا يحتاج إلى نية، بينما تفتقر الكناية إلى نية أو دلالة الحال [4] ، و يفهم من كلام الإمام ابن القيم أن الصريح كذلك يحتاج إلى نية، وقد صرح بذلك
(1) - سورة الأحزاب، آية (49) .
(2) - سورة الطلاق، الآيتان (1، 2) .
(3) - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم [5/ 321 - 322] .
(4) - انظر: المغني، لابن قدامة [7/ 294] ، وتبيين الحقائق، للزيلعي [2/ 214] .