المبحث الأول: تفسير قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ... }
قال الله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [1] .
المسألة: الرد على اليهود في إنكارهم وقوع النسخ.
قال ابن القيم - رحمه الله - (في معرض حديثه عن تلاعب الشيطان باليهود وأن من تلاعبه بهم أن ألقى إليهم أن الرب سبحانه وتعالى محجور عليه النسخ، وأنهم جعلوا هذه الشبهة ترسا لهم في جحد نبوة الرسول») :"... فتضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحًا في إبطال النسخ، فإنه سبحانه وتعالى أخبر أن الطعام كله كان حلالًا لبني إسرائيل قبل نزول التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه، ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته، وأن الذي كان لهم حلالًا إنما هو بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده إلى حين نزول التوراة، ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم التي كانت حلالًا لبني إسرائيل، وهذا محض النسخ، وقوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} أي كانت حلالًا لهم قبل نزول التوراة وهم يعلمون ذلك، ثم قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} هل تجدون فيها أن إسرائيل حرم على نفسه ما حرمته التوارة عليكم، أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم، وهي لحوم الإبل وألبانها خاصة؟ وإذا كان إنما حرم هذا وحده وكان ما سواه حلالًا له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرًا منه، ظهر كذبكم"
(1) - سورة آل عمران، آية (93) .