قال الله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [1] .
المسألة: معنى قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} ، ومقدار ما أبيح أكله عند الضرورة.
قال ابن القيم -رحمه الله- (عند حديثه عن معنى الإثم والعدوان) :"ومن أمثلة العدوان: تجاوزُ ما أبيح من الميتة للضرورة إلى ما لم يبح منها، إما بأن يشبع وإنما أبيح له سد الرمق على أحد القولين في مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة [2] ."
وأباح مالك [3] له الشبع والتزود إذا احتاج إليه، فإذا استغنى عنها وأكلها واقيًا لماله، وبخلًا عن شراء المذكَّى ونحوه كان تناولها عدوانًا، قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [4] ، قال قتادة والحسن: لا يأكلها من غير اضطرار، ولا يعدو شبعه، وقيل: غير باغ غير طالبها وهو يجد غيرها، ولا عادٍ أي لا يتعدى ما حد له منها فيأكل حتى يشبع ولكن سد الرمق [5] . وقال مقاتل: غير مستحلٍ لها ولا متزودٍ
(1) - سورة البقرة، آية (173) .
(2) - انظر في مذهب الإمام أحمد: المغني، لابن قدامة [9/ 330] ، وكشاف القناع، للبهوتي [6/ 196] . وفي مذهب الإمام الشافعي: المجموع، للنووي [9/ 36] ، والمهذب، لأبي إسحاق الشيرازي [1/ 250] . وفي مذهب الإمام أبي حنيفة: المبسوط، للسرخسي [5/ 110] وَ [24/ 28] . وأحكام القرآن، للجصاص [1/ 160] .
(3) - انظر: الموطأ، للإمام مالك: كتاب الصيد، باب فيمن اضطر إلى أكل الميتة [2/ 54 - 55] ، والاستذكار، لابن عبد البر [5/ 307] ، وبداية المجتهد، لابن رشد [1/ 349] .
(4) - سورة البقرة، آية (173) .
(5) - ما ذكره عن قتادة والحسن قريب من قول ابن عباس حيث يقول:"من أكل شيئًا من هذه وهو مضطر فلا حرج ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى"ويقول:"فمن اضطر فليأكل منه الشيء قدر ما يسره ولا يشبعه"انظر: تفسير ابن أبي حاتم [1/ 283] . وأما قتادة فقال:"غير باغ في أكله، ولا عاد أن يتعدى حلالًا إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة"، وأما الحسن فقال:"غير باغ فيها، ولا معتد فيها بأكلها وهو غني عنها"انظر: تفسير الطبري [2/ 87] ، وتفسير ابن أبي حاتم [1/ 285] . وانظر: إعلام الموقعين، لابن القيم [2/ 125] .