المبحث الأول: حكمة القصاص.
قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [1] .
المسألة: الحكمة في مشروعية القصاص.
قال ابن القيم -رحمه الله- (في معرض رده على نفاة الحكمة والقياس والتعليل، مبينًا أن التسوية في العقوبات مع اختلاف الجرائم لا تليق بالحكمة) :"... فأوقع العقوبة تارة بإتلاف النفس، إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح، كالجناية على النفس أو الدين أو الجناية التي ضررها عام، فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصة، والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [2] ، فلولا القِصاص لفسد العالم، وأهلك الناس بعضهم بعضًا ابتداءً، واستيفاءً، فكأن في القصاص دفعًا لمفسدة التجرِّي على الدماء بالجناية وبالاستيفاء، وقد قالت العرب في جاهليتها: (( القتل أنفى للقتل ) )وسفك الدماء يحقن الدماء، فَلَمْ تُغسل النجاسة بالنجاسة [3] ، بل الجناية نجاسة، والقصاص طهرة، ... وجرى ذلك مجرى إتلاف الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي، فإنه حَسَن وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان، فالمصالح المرتبة على ذبحه أضعاف أضعاف مفسدة إتلافه ... فكم لله سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من نعمة لا تحصى، فكيف إذا كان فيه طهرة للمقتول، وحياة للنوع الإنساني،"
(1) - سورة البقرة، آية (179) .
(2) - سورة البقرة، آية (179) .
(3) - هذه العبارة لأنه يرد على مَن شَبَّه من نفاة الحكمة إتلاف النفس بالنفس، بإزالة النجاسة بالنجاسة.