الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» [1]
الجمادات تنطق حقيقة بنداء المُسْلِمينَ ودلالتهم عَلَى الْيَهُود:
قَالَ الحافظ ابن حجر في"فتح الباري":"وفي الحَدِيث ظهور الآيات قرب قيام السَّاعَة؛ من كلام الجماد من شجر وحجر، وظاهره أن ذلك ينطق حقيقة، ويحتمل المجاز؛ بأن يَكُوْن المراد أنهم لا يفيدهم الاختباء، والأول أولى".
قلت: بل هو المتعين، ولا ينبغي أن يقال فيه باحتمال المجاز، لا سيما وقد صرح في حَدِيث أبي أمامة بأن الجمادات والدواب تنطق بالدلالة عَلَى الْيَهُود، وهذا ينفي احتمال المجاز، وصرح أيضا في حَدِيث سمرة بأن الجمادات تنادي المُسْلِمينَ وتدلهم عَلَى الْيَهُود، وهذا أيضا ينفي احتمال المجاز، وأيضا فحمل كلام الجمادات وندائها عَلَى المجاز ينفي وجود المعجزة في قتال الْيَهُود في آخر الزمان، ويقتضي التسوية بينهم وبين غيرهم من أصناف الكفار الَّذِينَ قاتلهم المُسْلِمونَ وظهروا عَلَيْهِمْ، إذ لا بد أن يختبئ المختبئ منهم بالأشجار والأحجار، ومع هذا لم يرد في أحد منهم مثل ما ورد في الْيَهُود، فعلم اختصاص قتال الْيَهُود بهذه الآية، وأن الجمادات تنطق حقيقة بنداء المُسْلِمينَ ودلالتهم عَلَى الْيَهُود.
ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «و الَّذِيْ نفسي بيده؛ لا تقوم السَّاعَة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» [2] .
هكذا قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا داعي أن نضرب ونرجم بالغيب بَعْدَ كلام الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -، فوالله الَّذِيْ لا إله غيره ما كَذَبْنا ولا كُذِبْنا، فهكذا قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الَّذِيْ أخبر الله تعالى عنه:
(1) رواه مُسْلِم. قال النووي: (الْغَرْقَد نَوْع مِنْ شَجَر الشَّوْك مَعْرُوف بِبِلَادِ بَيْت الْمَقْدِس، وَهُنَاكَ يَكُوْن قَتْل الدَّجَّال وَالْيَهُود) وَقَالَ أبو حنيفة الدينوري:"إذا عظمت العوسجة؛ صارت غرقدة".
(2) رواه: الإمام أَحْمَد، والتِّرْمِذيّ؛ من حَدِيث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وَقَالَ التِّرْمِذيّ:"هذا حَدِيث حسن صحيح غريب".