لقد أنكرت شرذمة من الجهلة نزول عِيسَى عَلَيْهِ السلام، واستدلوا بأمور:
الشبهة الاولى: استدلالهم بقول اللَّه تعالى: {إِذْ قَال اللَّه يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [1] .والجواب من وجوه:
هذه الاية فيها ثلاثة أقوال.
الأول: متوفيك أي منيمك؛ لأن النوم وفاة، قَال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [2] ، فالنوم وفاة. و قَال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} [3] ، أي: بالنوم.
الثاني: {متوفيك} أي قابضك، قَال الامام الطبري:"و قَال آخرون: معنى ذلك: إني قابضك من الا رض فرافعك إليَّ، قَالوا: ومعنى الوفاة القبض. كما يقَال: توفيتُ من فلانٍ ما لي عَلَيْهِ بمعنى: قبضته واستوفيته. قَالوا: فمعنى قوله: {إني متوفيك ورافعك} أي: قابضك من الا رض حيًا إلى جواري، وآخذك إلى ما عندي بغير موت، ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك" [4] .
الثالث: متوفيك مميتك، فمعنى الاية عَلَى ذلك: رافعك، ومتوفيك بَعْدَ نزولك؛ لأن الواو لا تفيد الرتبة. قَال ابن هشام في شرح قطر الندى وبلِّ الصدى:"أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين أن الواو تفيد الجمع ولا تفيد الترتيب". فتكون الوفاة بَعْدَ نزوله. قَال الا مام الطبري:"و قَال آخرون: معنى ذلك: إذ قَال اللَّه يا عِيسَى إني رافعك إلي ومطهرك من الَّذِينَ كفروا ومتوفيك بَعْدَ إنزالي إياك إلى الدُّنْيَا" [5] . و قَال القرطبي رحمه اللَّه:"و قَال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إلي} عَلَى التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إلي، ومطهرك من الَّذِينَ كفروا، ومتوفيك بَعْدَ أن تنزل من السماء. كقوله: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزامًا"
(1) / آل عمران (55) .
(2) / الزمر (42) .
(3) / الانعام (60) .
(4) / الجامع لأحكام القرآن (3/ 287) .
(5) / الجامع لأحكام القرآن (3/ 287)