والقصة تبدأ بسؤال المشركين للنبي المصطفى ويأتي الجواب من الله جل وعلا:"قل"يا مُحَمَّد، وكلمة"قل"يسميها علماء التفسير وعلماء اللغة قل التلقينيه أي القصة ليست من عند رسول الله بل هي وحي من عند الله جل وعلا: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا: كلمة"منه"التبعيضية: أي سأتلوا عليكم بعض الشيء من قصة ذي القرنين ولو علم الله في الزيادة عن النص القرآني خيرًا لذكرها لنا فلنقف عند ما ورد في القرآن وما ثبت في حَدِيث النبي عليه الصلاة والسلام: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض: تدبر ... فمن الَّذِيْ مَكَّنَ لذي القرنين؟
فالتمكين إن نقبت عنه في القرآن سترى أنه في كل مرة وردت لفظة التمكين تنسب إلى الله رب العالمين، وهذه القاعدة البلاغية تؤصل في القلوب قاعدة إيمانية.
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْض وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا) . أخذ بهذه الأسباب والوسائل للتمكين والنصر والفتح والظهور.
وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. أعطاه من الأسباب ما يستطيع أن يفتح وأن ينتصر وأن يجوب البلاد شرقا وغربا.
يبدأ ذو القرنين الرحلة الجهادية الأولى في سبيل الله نحو المغرب. (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا) .
ومن المعلوم أنه ليس للشمس مشرقًا واحدًا ولا مغربًا واحدًا بل لها عدة مشارق ومغارب.
(قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) .فبين ذو القرنين منهجه العادل ودستوره الحكيم، فقال كما ذكر في كتاب ربنا: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) . وأَمَّا من ظلم نفسه بالشرك وعدم اتباعي فسوف أعذبه وله عند الله العذاب العظيم، أما من اتبعني وآمن بما جئت به ووحد الله واستقام عَلَى منهج الله فله الحسنى وهى الجنة، أما من ناحيتي فسنقول له يسرا.
ثُمَّ انطلق نحو المشرق في رحلة ثانية (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) . لا يحمى هؤلاء الناس والقوم شيء عَلَى الإطلاق، لا يحول بينهم وبين الشمس شيء.