فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 198

(كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) : أي علم الله عز وجل كل ما يدور في قلبه وفي نفسه.

وتبدأ الرحلة الثالثة التي هي محل الشاهد في موضوعنا: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) والسدين: الجبلين العظيمين. (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا) .

لا يعرفون لغة ذي القرنين أو لا يستطيعون أن ينفتحوا عَلَى غيرهم من الأمم، فهم قوم منعزلون عَلَى أنفسهم، تعرضوا إلى أشد الهجمات وأعنف الضربات عَلَى يدي يأجوج ومأجوج، فلما رأوا ذا القرنين الملك الفاتح العادل توسلوا إليه وانطلقوا وقوفا بين يديه وَقَالوا: (يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) .

هؤلاء القوم يقولون لذي القرنين هل نبذل لك من أموالنا ما تشاء وما تريد عَلَى أن تبنى لنا سدا منيعا يحمينا من يأجوج ومأجوج. فرد عَلَيْهِمْ بزهد وورع وَقَالَ: قَالَ (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) .لقد أعطاني الله عز وجل من وسائل التمكين ما أغنانى به عن مالكم ولكنه لمح فيهم الكسل، فأراد أن يشركهم في هذا المشروع العظيم وفي هذا العمل الضخم، فقال لهم ولكن!

(فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) . أي قال بلغة العصر: التخطيط الهندسي والمعماري والإنفاق المادي لبناء هذا السد ولإقامة هذا المشروع، سنتكفل نحن بذلك، ولكننا في حاجة إلى العمال، في حاجة إلى عمالة يحملون ويبنون ويقيمون هذا العمل.

وبدأ ذو القرنين المهندس البارع وأمر بالبدء في المرحلة الأولى من مراحل هذا المشروع. (ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) : أي اجمعوا لي قطع الحديد الضخمة وأمرهم بوضع هذه القطع في مكان ضيق بين هذين السدين، فلما وضعت قطع الحديد حتى ساوت قمة الجبلين قال: انفخوا النار المشتعلة التي تصهر هذا الحديد، ولك أن تتصور حجم هذه النيران التي اشتعلت لتصهر أطنانًا من الحديد لا يعلم وزنها إلا العزيز الحميد، اشتعلت النيران تحت هذا الحديد بين السدين في مكان ضيق، يريد أن يسد عَلَى يأجوج ومأجوج الطريق الَّذِيْ ينفذون منه إلى هذه الأمم المسكينة المغلوبة عَلَى أمرها. فأشعل النيران حتى انصهر الحديد وذاب بين السدين أي بين الجبلين، فأمر ذو القرنين أن يدخلوا في المرحلة الثانية من مراحل البناء، ألا وهي أن يذيبوا النحاس حتى ينصهر. فلما انصهر النحاس أمرهم بصب النحاس عَلَى الحديد فتخلل النحاس الحديد فأصبح النحاس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت